search
إصدارات
ارتباطات
الزوج الوفي (قصة قصيرة)
15/3/2010

 

مع اقتراب طلوع الشمس، لم تعد رجلاه قادرتين على حمله، فأسند ظهره إلى الجدار كأنه يحتمي بجبل من سيل هموم قادم، فهو وأشقاء زوجته يقفون على أعصابهم منذ عصر أمس بعد أن أدخلت زوجته إلى قسم العناية المركّزة في المستشفى، على إثر ارتجاج المخ الذي أصابها نتيجة حادث سيارة. 

خرج الأطباء من القسم وهم يقطعون الممر بسرعة متجنبين النظر إليهم، وقبل أن يتدافعوا نحو مدخل القسم ليعرفوا ما حصل، خرجت ممرضة وأعلنت نبأ وفاتها، فتعالت أصواتهم بالبكاء، وأخذ الزوج يذوب على الجدار مثل شمعة، وانتهى جالساً على أرضية الممر، باكياً لاطماً جبهته براحة يده، بينما أشقاء زوجته يساعدونه على النهوض وهم يبكون.

تحامل على نفسه ووقف على رجليه وأخذوا يحضنونه ويمسحون على رأسه، لكنه انفلت من بين أيديهم ومشى إلى قسم العناية المركّزة بخطى مثقلة. ارتمى على جثمان زوجته وأخذ يقبّلها وهو يبكي حتى امتلأ ما بين عينيه وعدسة نظارته بالدموع.   رفض الخروج من القسم وتركُ الجثمان، وحين وصلت سيارة الإسعاف، ارتفع نحيبه وأخذ يسير متأوّهاً خلف السرير المتنقل الذي ترقد عليه الجثة وهو حافي القدمين، محمر العينين، منكوش الشعر. صعد سيارة الإسعاف وجلس صامتاً بالقرب من الجثة المغطاة بالكامل بملاءة بيضاء، تاركاً وراءه نعاله ونظارته وجوّاله. 

بعد أن وُضعت الجثة في غرفة غسل الموتى الملحقة بالمقبرة، طلب منه قريب له ملتح أن يترك الغرفة لأنه لا يجوز له رؤية الجثة بعد أن انقطعت العلاقة الزوجية بالوفاة، لكنه صرخ في وجهه ودفعه وتعالت الأصوات وتعاون بعض الحضور في إخراجه رغم مقاومته وتمزّق كندورته.

جلس خائر القوى وأسند ظهره إلى جدار غرفة غسل الموتى وهو يفكّر في طريقة يدخل بها ليلقي النظرة الأخيرة على زوجته الطيبة والحنونة والجميلة التي لم ولن يحب غيرها، فهو يعلم أنه لن يراها ثانية بعد إخراجها من غرفة الغسل مغطاة بالكفن. إنه يحتاج إلى هذه النظرة الأخيرة، لا بد منها مهما كان الثمن، فصورتها الأخيرة ستكون معه في خياله طيلة ما تبقى من عمره. 

قام من مكانه واستدار حول الغرفة وانسل إليها بسرعة لكن قريبات المتوفاة صرخن في وجهه، خصوصاً أن مظهره أصبح مخيفاً، وأخذت المرأة المسؤولة عن الغسل تغطي يديها وتسدل النقاب على وجهها وهي تسبّه بأنه قليل الحياء والأدب، فخرج بسرعة وهو يشعر بالرضا. 

أخذ يسير بين القبور وهو يقرأ أسماء المدفونين الذين بقيت شواهدهم تقاوم عوامل الزمن والإهمال، ثم عاد إلى حيث تجمّع الناس وهو يمسح ما علق على كندورته من تراب وغبار محاولاً تغطية الأجزاء المتمزّقة منها. سأل عن أغراضه التي نسيها في المستشفى. أحضر شقيق المتوفاة حاجياته وعانقه طويلاً. لبس النعال ووضع النظارة بعد أن مسح عدستها ونظر في الجوّال ثم وضعه في جيبه. 

سار إلى غرفة الوضوء بينما الجميع يراقبه بنظرات الأسى والشفقة. غسل قدميه ويديه وشعر رأسه ثم توضأ استعداداً لصلاة الجنازة، ووقف أمام المرآة ورتّب شعره، وتذكّر غترته التي نسي وضعها على رأسه بسبب سرعة انطلاقه من البيت إلى المستشفى بعد أن وصله نبأ الحادث. 

حين خرج من غرفة الوضوء، لم يجد أحداً، وحاول الوصول إلى مسجد المقبرة عبر قطع المساحة الرملية، لكنه استدرك ومشى عبر الطريق المرصوص بالإنترلوك، وهو طريق أطول. 

حين دخل المسجد كان المتواجدون قد فرغوا من صلاة الجنازة وأخذوا يتدافعون لحمل الخشبة التي يرقد عليها الجثمان. مشى خلف المشيّعين ببطء وهو يلتفت إلى الوراء. توقف في منتصف الطريق وقبل الوصول إلى موضع الدفن. 

تعالت أصوات المشيعين أمام حفرة القبر قبل البدء في الدفن، كانوا يبحثون عن الزوج ويسألون عنه، لكنهم لم يجدوه، واقترح أحدهم البدء في الدفن لأن الزوج الملكوم لن يجرؤ على إهالة التراب على وجه الفقيدة.  

في مساء اليوم نفسه، ارتدى الزوج كندورة جديدة وتعطّر وذهب لمقابلة والد المرأة التي غسّلت الفقيدة الغالية.  

Share |
|
|
|
أحمد أميري
18/3/2010 11:47 AM
* أخي صاحب التعليق البسيط أولاً تسلم عيونك وهي الأجمل بكل تأكيد. بخصوص تسليط الضوء على الزوجات والأزواج في آخر التدوينات فليس هناك سبب محدد، لكن أحياناً ولفترات محددة تسيطر على الإنسان أفكار معينة أو موضوعات معينة لا يفكر في غيرها، وكلما أمعن التفكير في نقطة ما تشعبت منها نقاط أخرى، وهكذا. * شكراً أخي محمد بابا: أنت تعرف أن الجميع يفتي في المقابر وتحصل مشادات كلامية خصوصاً إذا كان بين المشيعيين فلاسفة كبار، وصاحبنا في هذه القصة وجد من يفتي له من كيسه. سيرة الصالحين نماذج تصلح للاقتداء لكن ليس فقط في سرعة الزواج بعد وفاة الزوجة. * أخي محمد عمر: شكراً لكلماتك وأنا لا أتلاعب بالقارئ وإنما هي الحياة التي تتلاعب بنا جميعاً.
أحمد عمر
18/3/2010 10:20 AM
تناقض عجيب جدا !! كنت اظن انه هذا الزوج وصل لدرجة من الوفاء لزوجته الحد الذي لن يقبل امراءة اخرى غيرها على الاقل لسنين قادة ... من حقه يتزوج شئ اكيد لكن على الاقل يخلي جثة حرمته تبرد شوي مثل ما يقولون ... استاذي أحمد ... تجيد فن التلاعب بالقارئ جيدا... فعن نفسي كادت الدمعة ان تسقط من عيني طول قراءتي الموضوع و بعد الوصول للسطر الأخير انفرطت في الضحك بطريقة هستيرية ... تحياتي لك و في انتظار كل جديد ...
محمد بابا
17/3/2010 10:16 PM
في النص أمران/ الأول "فقهي" فمن أفتاه بأنه لا يجوز له النظر لزوجته لانقطاع العلاقة الزوجية" تجنى على فقهنا الرحيم بنا .. الثاني "فلسفي صوفي متدين" فقد امتثل هذا الرجل للوفاء لسيرة بعض الصالحين الذين خطبوا أخريات بمجرد فراغهم من دفن زوجاتهم المتوفيات .. ــــــــــــــــ رائع وجميل وموغل في إتاحة فرصة السفر بالأفكار هذا المقال .. تحياتي ..
تعليق بسيط
17/3/2010 10:08 PM
نقلتنا الى اجواء الموت ييا اميري اضم صوتى لصوت كويك موضوع جميل وحلو مثل عيونك بس ممكن سؤال شو الدعوة خاشش فى الزوجات والازواج والنساء فى اخر تدويناتك ؟
أحمد أميري
17/3/2010 11:29 AM
* شكراً أخي عبدالرحمن حماد لكنني لا أجد نفسي كثيراً في القصص ولا تستهويني كتابتها كثيراً إلا إذا عجز المقال عن التعبير عما في صدري. * شكراً لمشاركتك أختي رولا وفعلاً فإن عدم الوفاء الحقيقي هو حين تكون الزوجة على قيد الحياة، لكن للأسف يمكن للرجل العربي والمسلم التحايل على مسألة الوفاء بسهولة، وبالأدلة الشرعية. * شكراً أختي عفاري والقصة كما هي خيال لكن أصل القصة حقيقي، وحدث فعلاً، وعلى هذا الرابط ستجدين أصل الحكاية. http://www.alwatanvoice.com/arabic/content-36134.html * أخي إبراهيم، كل المفارقة أو السر في السطر الأخير. أعد قراءته وستجد القصة واضحة.
أحمد أميري
17/3/2010 11:06 AM
* أخي فيصل أبوكويك: شكراً لتعليقك واهتمامك ومقالاتي التي تنشر في ملحق دنيا بجريدة الاتحاد تكون مصحوبة برسومات. بخصوص موقع العربية فأنا لم أزود الموقع بأية بيانات ولا أعرف على أي أساس تم اختياري رئيساً لاتحاد المدونين الإماراتيين، فالاتحاد الذي أتعامل معه ولي صفحة فيه هو (اتحاد المدونين) وليس الإماراتيين، وكان مملوكاً لجريدة العالم، وأنا كنت مشرفاً على الاتحاد في فترة من الفترات إشرافاً تحريرياً يتعلق بالمواد المنشورة وليس الإشراف الإداري أو الفني.
إبراهيم
16/3/2010 4:32 PM
احس حالي ما فهمت المغزى من قصة اليوم ... وفاة وحزن، وبالنهاية تكشخ وعطر وكأن شيئاً لم يكن .. . امر غريب ! تحياتي
عفاري
16/3/2010 2:21 PM
LOL كنت مندمجة في القراءه حتى وصلت المقطع الأخير ... وقريته ثلاث مرات علشان أتأكد ... هيهيهيهيه القصة حقيقة و لا من الخيال ...
rouly.durgham
16/3/2010 10:40 AM
لن أستغرب موقف الرجل هذا سيدي الفاضل ، لكن ما أستغربه ما يحدث في هذا الزمان بأن ينسى الرجل زوجته وهي على قيد الحياة ويضع يده في يد أخرى أظن أن ما قلته أنا أصعب وفيه من الوفاء ما فُقِد . ولله في خلقه شؤون ، شكرا أستاذ أحمد على ماكتبته عن الوفاء المنتشر والمنتشر جداً في وقت زال الإحساس بالوفاء .
عبدالرحمن حماد
16/3/2010 02:12 AM
والله يا احمد أميري انك رائع .. رائع جدا .. أنا اعتقد انك لازم تصدر كتاب قصص قصيرة جديد
فيصل أبوكويك
16/3/2010 01:25 AM
نقلتنا الى أجواء الموت و التذكرة بأن الانسان تاليه للموت لا محال , الاحظ من فترة رسوم خاصة لمواضيعك مبروك شكله في رعاية لمواضيعك الناجحة ,مكتوب بموقع (العربية نت) ان حضرتك أحمد أميري (رئيس إتحاد المدونين الإماراتيين)طيب و ين هذا الإتحاد و هل هذا الإتحاد الذي نحن به أسمه هكذا, حياتي أميري اسف خرجت عن موضوعك الأصلي .
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01