search
إصدارات
ارتباطات
شعرة بيضاء في الشعر الأسود
10/4/2010

لا أخرج حاسر الرأس في إحدى الدول الخليجية، لأنهم هكذا، الرجال عندهم دائماً يغطون رؤوسهم بشيء ما. لكني لا أبالي بهذا الأمر في دولة خليجية أخرى، لأنهم لا يبالون، وفي الأمثال: "كُل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس". 

وفي
اليوم الأول لي في بلد عربي ألقيت "السلام عليكم" على الكثير من الأشخاص، وكان الرد موحّداً: "أهلين". وفي اليوم التالي كنت أدخل المحلات والمطاعم وأقول: "مرحبا"، فأسمع: "أهلين".  

وفي زيارة لدولة عربية أخرى، استعملت "صباح الخير" و"مرحبا" أكثر من مرة، وفي كل مرة أسمع الجواب: "وعليكم السلام". صرت أسلّم كما يتوقعون أو يفترضون. ولو كتب علي أن أعيش في بلد غربي فلن أطيل لحيتي مليمتراً واحداً، ولن أرتدي الملابس الأفغانية وأمشي في الشوارع. 

ليس القصد من تلك التصرفات هو مداهنة الآخرين أو إخفاء هويتي أو خشية من تعرضي للمساءلة لسبب أو لآخر أو الانسياق وراء القطيع أو لأنني إمّعة أو لأنني بعت القضية، بل لأني ببساطة أرغب أن يكون حالي من حال بقية البشر، وحتى لو لم أكن أحترم ثقافتهم ولا أقيم لقيمهم أي اعتبار، فلم لا آخذهم على قدر عقولهم؟  

وفي المقابل لا أريد أن أكون نشازاً في الشارع وشعرة بيضاء في الشعر الأسود، ولا سبباً في تعكير الجو من حولي، ولا أن أثير حفيظة أحد، ولا أن أكون تحدياً يمشي على رجلين، ولا أن أسجّل المواقف وأرسل الرسائل في الشارع بأني مختلف ومتميز و"غير".  

بالطبع هناك حالات ومواقف لا ينبغي فيها مجاملة أحد أو مداراة الآخرين، وعلى المرء أن يتشبث بموقفه ويدافع عنه ولو بدمه، كأن يمنع هدر كرامته أو طمس هويته أو المسّ بعقيدته أو هضم حقه. لكن ما دون هذه القضايا لا يستحق الأمر الدخول بسببه في صراع مع الآخرين. 

لذلك لا أفهم بصراحة سبب إصرار المسلمات في أوروبا على تحدي مجتمعاتهم بارتداء النقاب، خصوصاً أن ارتداء النقاب على رأي الكثير من العلماء عادة وليس عبادة، فلم افتعال هذا التوتر والتمرد على قيم تلك المجتمعات لأجل عادة لا يأثم تاركها ولا يثاب فاعلها؟ 

ولا أدري ما نهاية تشنّج المنقبات في أوروبا خصوصاً أن صدور قوانين منع ارتدائه هناك باتت مسألة وقت، فبلجيكا ستحظر قريباً ارتداء النقاب بشكل تام حتى في الشوارع، ومن تخالف هذا الحظر ستعاقب بالسجن والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين. وكان استطلاع للرأي قد أجري قبل صدور مشروع قانون حظر النقاب أظهرت نتائجه أن 72 بالمئة من المواطنين يؤيدون إصدار مثل هذا القانون. 

وحدثت ضجة في مواقع الإنترنت العربية بعد انتشار خبر حدوث مواجهات بين الشرطة الإسبانية وسياح مسلمين حاولوا الصلاة في مسجد قرطبة الكبير الذي تم تحويله إلى كاتدرائية قبل أكثر من سبعة قرون، ويعد هذا المسجد رمزاً لإنهاء الوجود العربي في الأندلس. 

ولم يسأل المتشنّجون وهواة تعكير الجو وتسجيل المواقف عن ردة فعل السلطات في البلاد الإسلامية لو قام سياح مسيحيون بأداء صلواتهم في المساجد التي كانت كنائس في يوم ما، كالجامع الأموي في دمشق ومسجد آيا صوفيا في اسطنبول؟ 

بالطبع هناك من سيقول إن بعض الأجانب في الدول الإسلامية لا يحترمون ثقافة المسلمين ويتسببون في تعكير الجو من خلال ملابسهم وتصرفاتهم. ويتناسى هؤلاء أن بعض تلك التصرفات المنافية لعاداتنا لا تتعارض وقوانين دولنا، فهم يفعلون ما يفعلون في حدود القانون، وأن رد الإساءة بإساءة ليس من شيم العقلاء، وأننا لا نستلهم أخلاقنا من أخلاق غيرنا، ولا نقتفي آثارهم ونسير خلفهم ولو دخلوا جحر ضب، وإلا ما الداعي إلى الكلام عن أننا خير أمة وأننا القدوة في الأخلاق؟


Share |
|
|
|
بو خليل
13/4/2010 10:31 PM
والله يا اخويه، هالموضوع حساس نوعاً ما لكني معاك في قضية النقاب .. لأني قرأت عنها، وماكانت بتلك الدرجة اللي قاعدين يتثبتون فيها ... واذا بعدهم يبغون يلبسونه بالطيب ولا بالقوة، بلاد العرب واسعة .. وممكن يدخلون لها بأي وقت يشاؤون دون تضييق عليهم المسألة عندنا مسألة عادات وتقاليد لا غير ... والله كريم تحيتي وشكري لك
نور الفلا
10/4/2010 3:58 PM
صدقت أستاذي أحمد..بإعتقادي هالتصرفات الإستفزازية تعكس حالة اليأس التي أصابت العرب والمسلمين بسبب تجاهل الغرب لقضاياهم التي -العرب والمسلمين- عجزوا عن حلها وفي مقدمتها قضية فلسطين والإرهاب. و لا تنس شعار "الإسلام هو الحل" و" العودة إلى الدين" وغيرها من الشعارات الجوفاء لقيت آذانا صاغية لدى الكثير قولا وفعلا. فليس هناك تقبل للآخر و إنما رفض تام لأبعد الحدود.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01