search
إصدارات
ارتباطات
ما لا يقولونه في الكوارث
9/7/2006

 
عند مشايخ الجيولوجيا أن كوارث الطبيعة جنود من الله عقاباً للمذنبين وابتلاءً للصالحين وعبرةً للنّاجين.

 ولمّا سُئل كبيرهم عن سبب الغضب الذي حلّ ببلدان آسيا، اتهم الغرب بأنه استغلّ فقر هذه البلدان وجعلها سوقاً للدعارة والرقيق الأبيض، فأصاب هذه البلدان دون غيرها، رابطاً توقيت الغضب ببدء الموسم السياحي هناك حيث تُعلن الحرب على الله، بالخمور والقمار والجنس والرقيق الأبيض، مستنداً إلى قوله تعالى: "فكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ومنهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومنهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرضَ ومنهُم مَنْ أَغرَقْنَا وما كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ولكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون". 

لكن لم يُعرف، عن الأقوام التي عُوقبت في الآية، شرب الخمر ولعب القمار وتجارة الجنس. فأهل سدوم كانوا يجتمعون على فعل القبيح مع الرجل الغريب بعد أخذ ماله. وكان لهم قاض يفتي بذلك حتى قيل: وأيُّ امرئٍ في الناس ألفى قاضياً.. ولم يمضِ أحكاماً كحكم سدوم. أما ثمود، فعقروا الناقة تكذيباً بعد أن نُهوا عن التجبّر والتكبّر في الأرض. وأهل مَديَن كانوا يطففون في المكيال ويبخسون في الميزان. وقارون تكبّر واستطال على بني إسرائيل لكثرة ماله. أما قوم نوح، فقد ثَقُل عليهم إتباع مَنْ لم يتبعه إلا مَنْ كانوا يعتبرونهم أراذل الناس. وفرعون طغى وعلا في الأرض واستضعف الناس وادّعى أنه ربهم الأعلى.

دليلهم الآخر قوله تعالى: "ظَهَرَ الفَسَادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعضَ الذي عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرْجِعُون". وعند المفسّرين أنّ فساد البر ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر ذلك الذي كان يأخذ السفن غصباً. ولم يخرج معنى "فساد" في الكتاب عن قطع الطريق أو التحريق أو التخريب أو القتل أو البغي. والفساد لغة: أخذ المال ظلماً والجدْبُ.

وإذا سلّمنا جدلاً بصحة ربط الكارثة بالانتقام الإلهي، فربما كان ابتلاء بلدان آسيا لسبب آخر يتوافق مع سبب ما حلّ بالغابرين. فإحداها تأكل من وراء زراعة المخدرات التي تفتك بملايين البشر. وفي إحداها يجتمع العشرات، وبقرار من المحكمة القبلية، لاغتصاب فتاة (الواضحة في الصورة) لأن شقيقها أقام علاقة جنسية بالتراضي مع قريبة لهم. وفي إحداها يموت الناس جوعاً بينما الأموال تبعثر في الشعارات والمفاعلات. وفي إحداها بات الغشّ رائجاً حتى أصبح الطلبة يتظاهرون للسماح به في الامتحانات. وفي إحداها يتفشى السحر والشعوذة حتى صار الخليجيون يخشون أن يستقدموا الخادمات منها... وهذه نماذج من العدوان والفساد المتعاوَن عليهما بين الناس هناك.

ما لا يعرفه الجيولوجيون المشايخ، أو يعرفونه ويكتمونه، أن جنود الله لم يفتكوا قديماً إلا بأهل الظلم والبغي والعدوان، والآن لا يفتكون ببلاد الخمر والجنس كما يروّجون، بل إن أعنف الكوارث الأخيرة، ضربت بلداناً لا تعرف طعم الخمر ولا شكل القمار وليست الأنثى سوى كومة متحركة من القماش قاتم اللون، كإيران وأفغانستان وباكستان وبنغلاديش. فليبحث المشايخ عن تفسيرات لا خمرية ولا غربية.

الفرق بين الظلم الجمعي أو المتفق عليه وبين المعصية الفردية التي لا تضرّ إلا فاعلها، كالفرق بين أشخاص يضربون الناس في الشارع، وأشخاص يتجرّدون من ملابسهم أمامهم. في الأولى، هناك عدوان على الناس، وفي الثانية، يمكنهم أن يضحكوا ويمضوا في طريقهم. ولو كان الغضب يحلّ لذنبٍ ومعصيةٍ، لَمَا أُمهلنا طرفة عين لأننا كلنا مذنبون وخطّاءون. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01