search
إصدارات
ارتباطات
الصحافي الملدوغ يخاف الحبل
16/10/2010

لو استقر صحافي خليجي في بلد عربي ولاحظ تجمّعاً لعمال أجانب، فإنه سيكون أول من يدق نواقيس الخطر، وأول من يفتح العيون على هؤلاء العمال، وسيتبنى هذه الظاهرة الدخيلة، وسيدبج المقالات والتقارير واللقاءات التي تحذر من خطر العمالة الأجنبية.
وقد يستسهل الأمر وينقل كل ما كتبته الصحافة الخليجية عن مشكلة التركيبة السكانية، لكنه سيكون ذكياً ولن يمرر المصطلحات كما هي، فمثلاً عبارة: الخطر بات محدقاً بالهوية الخليجية، ستصبح: الخطر بات محدقاً بالهوية العربية.

صاحبنا الصحافي الخليجي قد يفعل كل ذلك رغم أن العمال الذين لفتوا نظره لا يشكّلون أي خطر على تركيبة ذلك البلد، لأنهم مرتبطون بمشروع معين وما أن ينتهي ستكون طائرات العودة في انتظارهم، وربما لم يكونوا عمالاً وإنما سياح متعبون يرتدون ثياباً متشابهة.

لكن الصحافي الخليجي رضع مشكلة خلل التركيبة السكانية في بلاده، وشبّ عليها ورأى الأجانب ينافسونه ويزاحمونه في كل شيء ومكان، ويفرضون هويتهم على هوية بلده بحكم أغلبيتهم العددية. لذلك، فإنه يصعب عليه أن ينظر إلى تلك القضية من خلال منظار آخر، فهو يرى العالم كله مختلاً من الناحية السكانية، وسيعتبر تطمينات السلطات عن عدم وجود ظاهرة العمالة الأجنبية، بأنها دفن للرؤوس في الرمال وذر للرماد في العيون، وفي الأمثال أن من لدغته الحية خاف من الحبل.

بالطبع فإن الصحافي الخليجي لن يستحوذ على هذا الملف لنفسه ولن يحتفظ به تحت إبطه، وسيبدأ الصحافيون الآخرين بإثارة القضية، وسيلتقط كتاب الأعمدة الخيط ويصنعون منه حبالاً طويلة تلف أذرع المسؤولين، وسيتناقل الناس آخر أخبار العمالة الأجنبية، وسيبدأ الرأي العام في الضغط على الحكومة من أجل الحد من هذه الظاهرة، وربما تشكّل لجنة وطنية لدراسة القضية وتقديم التوصيات.

وقد يفتعل الصحافي المذكور قضية من لا شيء حتى لو لم يعمل في صحافة تلك الدولة، فيكفي أن يقرأ خبراً صغيراً عن توقيع اتفاقية جانبية يستقدم بموجبها البلد العربي عدداً من العمال الأجانب لإقامة مشروع متميز، فيقلّب عليه هذا الخبر المواجع ويجمح به الخيال متصوراً مستقبلاً قاتماً لذلك البلد يشبه المستقبل الذي يخشاه لبلده الذي يعاني من خلل التركيبة السكانية. ولن يستمع إلى أي رأي يخالف رأيه، فهو لديه تصور كامل لما ستؤول إليه الأمور.

لذلك، يجب ألا يتعجب أحد من الآراء الغريبة التي يطلقها بعض الصحافيين والكتّاب العرب عن أمور تجري في الإمارات، كالإنجاز الذي حققته شرطة دبي في قضية مقتل المبحوح. فقد أخذ أحدهم يتحدث عن الشركة المصنّعة للكاميرات، وأنها يمكن أن تتجسس علينا من جيوبنا لأننا نستورد أشياء لا نعرف كيف تعمل. وطعن الكاتب نفسه في جائزة "بوكر" العربية وقال إن أغلب الجوائز العربية سُبة في جبين الجوائز ومسخرة تسود حياتنا الثقافية.

وهو لا يلام كثيراً على تصوراته المضحكة وأحكامه المسبقة، فالإنسان ابن بيئته، وما عساها أن تفعل شرطة دبي أو القائمون على الجوائز العربية، الإماراتية بالذات، بأشخاص يتصوّرون أن كل الأمور في كل دول العالم تجري بالطريقة التي تجري فيها في بلادهم، أو يتخيلون الحبال ثعابين تسعى لأنهم سبق أن لُدغوا في دولهم؟ ..لا شيء إلا أن يقولوا لهم: سلاماً، أو الدعاء لهم بالشفاء العاجل.    

تعجب السائق المالاوي الذي رافقني في إحدى جزر ماليزيا حين أبديت له ملاحظاتي، التي كنت أعتقد أنها قيّمة، بشأن الهوية الوطنية والإسلامية للعرق المالاوي في ماليزيا الذي يزاحمه العِرق الصيني البوذي والعِرق الهندي الهندوسي، فقال السائق بضيق واضح إنهم شعب واحد لا يميزون بين الأعراق والديانات..

لكن ماذا أفعل وأنا ابن بيئتي وأتأثر، ولا بد أن أتأثر، بهواجس ضياع الهوية التي تتردد على كل لسان في بلادي؟  

Share |
|
|
|
أحمد أميري
18/10/2010 9:57 PM
عزيزي عبدالرحمن حماد: شكراً لك وهو مجرد منطق وكلام مبني على تجارب شخصية.
عبدالرحمن حماد
17/10/2010 11:58 PM
الرؤية الشاملة. وضع القدمين في حذاء الغير.. أستاذ أحمد أنت نادر.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01