search
إصدارات
ارتباطات
اليوم العربي العادي
24/9/2010
مرّ علينا الأول من مايو يوم الضحك العالمي كما مرّ يوم التاسع من أبريل ذكرى سقوط بغداد، وكما سيمر يوم الخامس من يونيو ذكرى النكسة العربية، فأيامنا كلها سلسلة متصلة من الكآبة وكل ما يثير الغثيان.  

تمر على مئات القنوات الفضائية فلا تجد إلا مسلسلات خليجية تتبلل الشاشة من دموع أبطالها، أو برامج حوارية يتصارع فيها الضيوف مثل الديوك، أو برامج تسلية تسأل فيها المذيعة المتابعين المساكين: يا ترى ما هو اسم أمي؟ أو برامج دينية لا تتوقف عن إعادة ذكر كل ما هو معروف ومعلوم ويعرفه حتى الجنين المسلم، أو مباريات كرة قدم تحرص القنوات في نهايتها على استضافة محللين ليحوّلوها إلى مباريات كره ونكد، أو أخباراً عن تفكيك خلية نائمة أو مقتل ألف شخص أو نفي تصريحات أو نفي النفي. قناة الضحك الوحيدة بحسب علمي هي قناة "فنون" المتخصصة أكثر شيء في السخرية من العاهات البشرية.

تمر على الصحف فتشعر بأنها هي القنوات الفضائية نفسها لكنها مسيّلة على الورق. نعم لا يستطيع المحرر تحويل خبر مقتل أسرة كاملة إلى شيء مسلٍ حتى لو كان بخفة دم عادل إمام، لكنه يستطيع صنع البهجة وخلق الابتسامة مع التحقيقات والحوارات والأخبار الطريفة من الأساس. لكنك تجد الخبر الطريف نفسه يتحول إلى خبر كئيب بعنوان ميت وصياغة يتعمد من خلالها المحرر تضيع المفارقة في الخبر، ليصبح خبر ضياع سائق تاكسي مثل خبر ضياع فلسطين.

وبحسب علمي لا توجد في الإمارات أي مجلة أسبوعية، لن أقول جريدة يومية، ساخرة أو حتى طريفة تفكك العبوس، وليس هناك حتى ملحق أسبوعي في جريدة مخصص لتحويل بعض الجد، لن أقول كل الجد، إلى هزل ودعابة. ولا أعتقد أن الوضع مختلف في بقية الدول العربية اللهم إلا بضع مجلات ساخرة هنا وهناك.

ولولا برامج البث المباشر وخفة دم بعض القائمين عليها وسرعة بديهيتهم، وخفة دم بعض المتصلين والنكات العفوية التي يطلقونها بالتقطير خوفاً من قطع المكالمة، لكانت الإذاعة مثل التلفزيون مثل الصحف.  

بالطبع القضية ليست قضية إعلام فقط، فالإعلام في النهاية وليد البيئة، والبيئة والوجوه عندنا غارقة في التجهّم والمعاناة التي لا أعرف ما هي سببها بالضبط، وإن كان الكثير من الناس يتبسّطون في حياتهم الخاصة وأحاديثهم الشخصية، إلا أنهم يتحولون إلى رموز للوقار الزائد والاتزان المفتعل في أي مكان عام وفي أي مناسبة عامة ومع أي شخص لا يعرفونه حق المعرفة، بينما الرئيس الأميركي أوباما المنهوك بقضايا لا أول لها ولا آخر يمارس دور المهرّج والساخر من نفسه ومن تدني شعبيته خلال حفل عشاء جمعه ببعض المراسلين. 

لأننا أمة تعد الضحك عيباً ونقصاً في الشخصية، وأمة الجسد الواحد الذي إذا بكى بلد واحد فيها، وفي الغالب يكون أهل البلد هم سبب ما حلّ بهم، فإن على بقية بلاد الأمة أن تلطم وتلبس السواد. ولأننا لا نملك ترف وراحة بال الطبيب النفسي الهندي مادان كاتاريا الذي دعا للاحتفال بهذا اليوم وشجع أنصاره على الاستمرار في الضحك لتحسين مستوى صحتهم. فإن الرجاء الوحيد هو أن نخصص يوماً خالياً من الكآبة والتعاسة ولا حاجة للضحك أو البهجة، فقط يوم عادي لا مضحك ولا مبكٍ، ليكون هذا هو اليوم العربي العادي نشعر فيه بأننا كائنات طبيعية.   

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01