search
إصدارات
ارتباطات
البديهيات.. والكذب على النفس
24/9/2010
أرجو ألا يضطر وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، إلى تكرار الحديث عن بديهية من البديهيات حين قال: "كإماراتي لا بد أن أكون، بل وكل إماراتي، أكثر حساسية لاحتلال جزء من الإمارات من أي أرض عربية أخرى، وإلا سيكون المرء كمن يكذب على نفسه".
جاء حديث الشيخ عبدالله في معرض ردّه على سؤال موجّه من المجلس الوطني الاتحادي بشأن وضع الجزر الإماراتية المحتلة، داعياً إلى عدم التفريق بين احتلال إيران للجزر الثلاث وبين احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية، وموضحاً في الوقت نفسه أنه لا يقارن بين إسرائيل وإيران "إلا أن الاحتلال هو الاحتلال".

للأسف، في عالم السياسة العربية، تصبح البديهيات مثل المعادلات الفيزيائية البالغة التعقيد، فالبديهية التي تقول إن "الاحتلال هو الاحتلال"، تصبح لغزاً يحيّر العقول، والبديهية التي تقول إن "مواطن أي بلد لا بد أن يكون أكثر حساسية لاحتلال جزء من أرضه من أي أرض أخرى"، تصبح مسألة غامضة تحتاج إلى تدخّل العباقرة لكشف أسرارها.

للأسف أيضاً، نحتاج إلى تكرار الحديث عن بديهيات أخرى بعد أن تعقدت وتشابكت وتحولت إلى أحاجٍ وألغاز في العقل العربي الذي لا يرى إلا فلسطين وإسرائيل، ويعتبر هذه القضية قضية مركزية لا يمكن إلا الدوران في فلكها والذهاب إليها فقط والعودة منها فقط.

نحتاج إلى الحديث عن البديهيات لإزالة ما تعلق بها من مغالطات وأضاليل لتعود البديهية إلى بديهية وقضية ضرورية لا يتوقف التصديق بها على نظر وكسب، ولا تحتاج إلى برهان عند كل من يفهم معناها، كما تعرّفها المعاجم الفلسفية.

لا نحتاج في دول الخليج إلى إعطاء البرهان على صدق البديهية والقضية الضرورية التي تقول إن المفاعلات النووية الإيرانية تقلقنا أكثر مما تقلقنا المفاعلات الأخرى. لكن القوم لا يفهمون هذه البديهية ومن ثم لا يصدقونها وفي الوقت نفسه يريدون منا أن نكون كمن يكذب على نفسه ونقول العكس، فنكف عن الحديث عن النووي الإيراني الذي لا يبعد عنا سوى مئات الأميال، (المسافة بين مدينة بوشهر حيث النووي الإيراني وغرفة نومي 602 كيلو متر بالضبط)، ولا نتوقف عن الحديث عن النووي الإسرائيلي الذي يبعد عنا آلاف الأميال (المسافة بين صحراء النقب حيث مفاعل ديمونة وغرفة نومي 2085 كيلو متر بالضبط). ربما يحتاج الأمر أيضاً إلى الحديث عن بديهية المسافة.    

للأسف، فإن الأسف الثالث داخلي هذه المرة، وجاء على لسان الشيخ عبدالله كعتاب وجّهه إلى "وسائل الإعلام، خاصة المحلية، لعدم تسليط الضوء على مواطني الجزر الثلاث الواقعة تحت الاحتلال الإيراني الذي لا يوفر أي مساعدات للمواطنين فيها".

فلا بد أن تكون هناك مشكلة في فهم البديهيات لدى بعض وسائل إعلامنا حين تهتم بأشجار الزيتون المقطوعة في مزرعة فلسطينية، أو صعوبة زواج فتيات الجولان من مواطنيهم في سوريا، لكنها تتجاهل معاناة المواطنين في الجزر المحتلة، وربما لا تعرف أن هناك معاناة أصلاً، فما لها ومال قضية الجزر غير المركزية؟

البديهية التي لا تحتاج إلى فكر ونظر هنا هي أن الوسيلة الإعلامية المحلية، لا بد أن تكون، أكثر حساسية أمام معاناة مواطني البلد من معاناة أي إنسان آخر، وإلا ستكون كمن تكذب على نفسها.

وليت بعض وسائل الإعلام المحلية تكتفي بالكذب على نفسها، بل إنها لا تقيم وزناً لأبسط البديهيات التي تقول إنه في حالة وجود خلافات حدودية وعلاقات متوترة بين الدولة (أ) والدولة (ب)، فإنه ليس من المعقول أن يتخصص بعض كتّاب الوسيلة الإعلامية في الدولة (أ)، وهي وسائل إعلام حكومية في الغالب، في مديح النظام الحاكم في الدولة (ب)، بطريقة تعجز صحف الدولة (ب) عن نشر مثلها.

نحتاج إلى تنظيم حملة داخلية وخارجية للتعريف بأبسط البديهيات.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01