search
إصدارات
ارتباطات
المجتمعات حين تشبع
8/11/2010
 
يسجّل عالم الاجتماع الإيراني إحسان نراقي في مذكراته "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة" تفاصيل الحوارات التي دارت بينه وبين الشاه المخلوع قبيل اندلاع ثورة الخميني، فقد كان الشاه يلتقي بالمفكرين للخروج بحل للأزمة المتصاعدة في بلاده.
 
ويبدي الشاه في هذه الحوارات دهشته من انجرار الشعب وراء رجال الدين بعد أن حققت إيران في عهده، وعهد والده، قفزة كبيرة من دولة متخلفة إلى دولة لها اعتبارها بين الأمم، ويمكن القول إن الشاه كان متعجباً من الثورة. 
  
ورغم أن الشاه أغفل دور غياب العدالة الاجتماعية في النقمة الشعبية، والفساد الذي كان يستشري بين أفراد عائلته والحاشية المحيطة بها، وتركيزه على الخطر الشيوعي الأحمر واستهانته بقوة العمامة السوداء، فإن قطاعات واسعة من الإيرانيين كانت فعلاً تبحث عن حاجات جديدة بعد أن لُبيت حاجاتها الأساسية من أمن وتعليم وطبابة، لأنه يبدو أن المجتمعات تشبه البشر في الجوع والشبع، فحين لا يجد الإنسان قوت يومه قد يخرج للناس شاهراً سيفه، حسب المقولة المنسوبة لأبي ذر الغفاري، وفي المقابل حين يشعر الإنسان بالامتلاء يبدأ في اختراع حاجات أخرى إلى أن يفكّر في حاجة يكون شقاؤه فيها.

في أعقاب إحضار بعض الماليزيين المسلمين رأس بقرة مقطوعاً إلى أحد المساجد للتعبير عن مشاعر الغضب تجاه بناء معبد هندوسي قريب من المسجد، وإلقاء مواد مشتعلة في بعض الكنائس في كوالالمبور تخص الأقلية الماليزية المسيحية، والخلاف الحاد الذي أشعله بعض قادة المسلمين بشأن استخدام غير المسلمين لفظ الجلالة "الله"، في أعقاب هذه الحوادث كتبت الأميرة رجاء زاريث إدريس تقول إن ماليزيا تعاني أمراً خطيراً وهو "خطر استحواذ قضايا تافهة تتعلق بالعرق والدين على قطاعات محسوسة من الفضاء العام"، على الرغم من أن "لدينا نحن الماليزيين الكثير مما ينبغي أن نكون مغتبطين لأجله، فبلدنا ليس في حالة حرب، ولا توجد غارات جوية أو صواريخ أو قنابل تسقط على رؤوسنا. ولدى معظم الأسر مستوى معيشة معقول، ولا يوجد لدينا نقص في الوقود والتموين".

وفي مقال للكاتب السعودي مشاري الذايدي عن المرأة قارن فيه بين المجتمع السعودي الذي يتجه نحو تخفيف القيود الشرعية "الوهمية" على المرأة السعودية من خلال مفاتيح فقهية واختيار "الأيسر والأسلم من سلّة الاجتهادات الفقهية في هذا الزمن"، وبين المجتمع الكويتي الذي يزايد على مشايخ السعودية ويبحث عن قيود فقهية ليضعها حول المرأة الكويتية.

ويضرب الذايدي مثالاً في تصريحات الشيخ أحمد بن قاسم الغامدي، رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة، بشأن مفهوم الاختلاط الذي اعتبره الغامدي مفهوماً مبتدعاً في الفقه الإسلامي، فإذا بالردود عليه تنهال من الكويت، بالإضافة بالطبع إلى الردود الداخلية التي تعد مفهومة حسب الذايدي داخل الحالة السعودية، لكن "غير المفهوم هو حماسة الرد من إسلاميي الكويت على مجتهدي السعودية من المشايخ، فهذه حماسة غريبة، وعجيبة من عجائب الزمان".

ويضيف الذايدي: "هناك في الكويت، وليس في السعودية، من تصدى للهجوم على الشيخ الغامدي وأمثاله، في مسألة الاختلاط، وقالوا بأنها انحراف عن الصواب والهدى، أو بما معناه، وهو ما يعني أنهم يريدون المزيد من التشديد على المرأة الكويتية في اللحظة التي وصلت المرأة الكويتية فيها إلى قبة البرلمان".

من الواضح أن بعض المجتمعات العربية والإسلامية تبحث عن قضايا ومعارك وهمية بعد أن شبعت ونجحت في الكثير من المعارك، ويبدو أن هذه المجتمعات لن تستيقظ من الحلم إلا حين يتحول إلى كابوس.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01