search
إصدارات
ارتباطات
خزانة الصور النمطية
5/11/2010

إذا كنت تتحدث مع أحد الأشخاص وذكرت أمامه كلمة "وكيل نيابة" مثلاً، فإن هذا الشخص سيهرع فوراً إلى خزانة المفاهيم الخاصة به والتي توجد في رأسه، وسيبحث بين الأدراج عن درج "وكيل النيابة"، سيفتح الدرج وسيجد أول شيء صورة الممثل الذي أدى دور وكيل النيابة في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" مرتدياً نظارة سميكة ويزين صدره وشاح أحمر.

وإذا كان هذا الشخص خليجياً وذكرت أمامه كلمة "محامي"، فإن أول صورة سيجدها في درج المحاماة صورة الممثل الذي أدى دور المحامي في مسلسل "درب الزلق" حاملاً حقيبة سوداء مكتوب عليها بخط كبير "المحامي".  
 
وتكاد تكون هذه الصور عامة في أدراج معظم الناس لأنها أصبحت صوراً نمطية على مرّ الأجيال وتكرار عرض تلك المسرحية وذلك المسلسل مئات المرات.

لكن هناك أشخاصاً قليلين يكوّنون صورهم بأنفسهم نتيجة ظروف معينة كما حصل معي، فلأنني قضيتُ سنوات في العمل في النيابة العامة والمحاكم، واختلطت بالمئات من وكلاء النيابة والمحامين، لم يعد باستطاعتي استدعاء صورة محددة عند ذكر وكلاء النيابة والمحامين، ولذلك ليست لديّ صورة نمطية عنهم، والاحتمالات أمامي مفتوحة.

هناك أكثر من تعريف للصورة النمطية ذكره مجموعة من الباحثين، ويمكن تكوين تعريف شامل لها بأنها اعتقاد مبالغ فيه ورأي ثابت يصعب تغييره ذو طبيعة تعميمية يرتبط بفئة من الناس، يتشابهون ضمن اعتبار معين، مع تجاهل الفروق الفردية بينهم، وظيفته تبرير السلوك إزاء تلك الفئة، وإصدار الحكم عليهم.

وأعتقد أن أهل التصوف ُظلموا كثيراً بسبب الصورة النمطية، وربما يحاول القارئ الآن فتح درج الصوفية في خزانته التي في رأسه ليستخرج منه صورة راقصين في حلقة ذكر، أو صورة أشخاص يتبرّكون بقبر، أو صورة أشخاص يدخلون أدوات حادة في أجسادهم، وقد تكون الصورة شيئاً عاماً مرتبطاً بالفلكلور الشعبي.   

بالطبع لا أحد يعفي بعض المتصوفة عن مسؤولية تكوين تلك الصور، لكن لا يمكن تجاهل دور الأصولية الدينية في تحميض الأفلام واستخراج الصور النمطية عن أهل التصوف ونشرها في الآفاق بأموال النفط، وكذلك دور الأفلام السينمائية وبعض البرامج الوثائقية التي تتجه لضرورات الإثارة إلى الجماعات الصوفية التي تأتي بالعجائب بينما لا أحد يسمع بأهل التصوف الآخرين، لأنهم لا يلفتون الأنظار. 
 
وتعاني الصوفية من الصورة النمطية مثلما تعاني أي فئة من الناس "يتشابهون" ضمن إطار معين، كمعاناة العرب والمسلمين من الصورة النمطية المأخوذة عنهم عند بعض الغربيين، والصورة المأخوذة عن الخليجي عند بعض العرب. ونحن نعرف أن ليس كل مسلم أو عربي إرهابياً، وليس كل خليجي ثرياً يلعب بالدولارات، فليس كل صوفي راقصاً وطبّالاً.   

والصوفية مثلهم مثل بقية البشر، فيهم من سلكوا طرقاً تخالف الفكر الصوفي في بعض أوجهه، ولسيد الطائفة الجنيد البغدادي مقولة واضحة في هذا الشأن: "التصوف بيت والشريعة بابه"، ولأبي يزيد البسطامي مقولة أكثر وضوحاً: "لو نظرتم إلى الرجل أُعطي كرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة".

يقولون إن الصوفي منزوٍ في بيته لا يعنيه الشأن العام، أو هو منهمك في الرقص وشرب الشاي في الخانقاه. إذا كان هذا صحيحاً في حالة صوفي، ففي المقابل هناك حالة الصوفي الذي "يعانق الحق ويخالط الخلق"، وهناك من الصوفية من بالغوا في التدخل في الشأن العام حتى أصبحوا رؤساء دولهم، كرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01