search
إصدارات
ارتباطات
كلمة في حق الخدم
24/9/2010
عشرون أسرة تتكون منها عائلتي استقدمت خلال ربع قرن العشرات من خدم البيوت من دول آسيوية وإفريقية. لم تقم أي واحدة منهن بتعذيب الأطفال أو سحر الزوج و"الاستيلاء" عليه أو ارتكاب جريمة خطيرة. كانت هناك حالات هروب قليلة، وحالات نادرة لسرقة أشياء بسيطة، وحالة واحدة لحمل غير شرعي. وأوضاع الخادمات في محيط معارف العائلة وبين أصدقائي وزملائي تشبه أوضاعهن في عائلتنا، لا تعذيب ولا سحر ولا جرائم خطيرة. 

أعتقد، بحكم التجربة وكوني شاهداً، أن ملف الخادمات تعرض للكثير من التضخيم والتهويل، كما يحصل مع أي قضية تهم المجتمع، خصوصاً إذا كان الملف خالياً من الإحصائيات الدقيقة التي تحتاج بدورها إلى توضيح، فحين نقول مثلاً إن الجنسية الفلانية هي أكثر الجنسيات تورطاً في الحوادث المرورية، ثم لا نوضح أن هذه الجنسية هي أكثر الجنسيات حصولاً على رخصة القيادة، فإننا لا نكون دقيقين في أحكامنا. 
 
صار من المألوف أن تسمع في الإذاعة أو تقرأ في الصحف كلشيهات مكررة عن السحر الذي تمارسه الخادمات ووسائل التعذيب التي يلجأن إليها للانتقام. ولا أحد ينكر وجود حالات سحر وتعذيب، لكننا نتحرى الدقة في كل الأمور ونشدد على خطورة التعميم إلا في ملف الخدم، يستطيع المرء أن يعمم وهو مرتاح البال لأن الخادمات ببساطة الحلقة الأضعف ضمن حلقات المجتمع. وأحياناً يشرّق أحدهم ويغرّب في جرائم الخادمات ثم حين تسأله عن حالة واحدة يعرفها، فإنه لا يجد في جعبته شيئاً.

هل سأل أحد نفسه: ما الفرق بين هروب الخادمة للبحث عن عمل في مكان آخر وبين ما نفعله جميعاً في تقديم استقالاتنا من مؤسساتنا لأننا حصلنا على عروض وظيفية أفضل وبامتيازات أكثر؟ الفرق الوحيد أن الخادمة تبحث بطريقة غير قانونية لأنها تجهل العواقب، ونحن نبحث في إطار القانون لأننا نعرف ما لنا وما علينا. الاختلاف بيننا وبينهن في هذه المسألة اختلاف في الدرجة وليس في النوع.

هل سأل أحد نفسه: لماذا يكون أكثر من يرتكبون الأخطاء الطبية هم الأطباء والممرضون؟ الجواب البديهي لأن المستشفيات هي محيط عمل هؤلاء، والمرضى هم زبائنهم. الأمر نفسه بشأن الخادمات، هن أكثر من يرتكبن الجرائم المنزلية لأن المنازل هي محيط عملهن، وهن أكثر من يتضرر منهن المخدومون لأنهم زبائن الخادمات. ولم أتطرق هنا إلى نقطة تأثير ثقافة وعادات الخادمة على الطفل، لأن التأثير ليس جريمة، ولا ذنب الخادمة، وإنما ذنب وجرم ذوي الطفل الذين أنجبوه وتركوه بين يدي امرأة غريبة اليد والوجه واللسان، المطلوب منها أن تكون عاملة تنظيف وخبيرة تغذية وأخصائية نفسية وموجهة تربوية وأستاذة "إيتيكيت" ومُصلحة اجتماعية، مع الحرص على أن يكون كل هذا في ظل الورع والتقوى.

لماذا لا نكون صادقين مع أنفسنا ونتساءل: كيف نتباهى بما وصلت إليه المرأة الإماراتية، ثم في الجملة التالية نتباكى على انحسار دورها في البيت في مقابل تعاظم دور الخادمة التي هي كذا وكذا؟ هل نستطيع أن ننكر أن وجود الخادمة يعد من عوامل تفوق المرأة عندنا؟ كيف كانت تستطيع التوفيق بين تفرغها للدراسة والتحصيل والعمل وبين الأعباء المنزلية لولا الاعتماد على الخادمة؟

من الظلم توزيع الاتهامات على الخادمات وإصدار الأحكام ضدهن من دون الاستناد إلى دراسات وأرقام واستبيانات تتناول بدقة عددهن وعدد جرائمهن التي وصلت إلى الشرطة أو التي انتهت بالترحيل، وحالات الهروب وأسباب ذلك.. وللإنصاف، عدد الجرائم التي كن ضحاياها.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01