search
إصدارات
ارتباطات
كتاب "أصل الفروق بين الجنسين"
24/9/2010


(1) تضخيم دور الفطرة

هل نبالغ في تضخيم دور الفطرة، فنقول إن الرجل عقلاني والمرأة عاطفية بحكم فطرتهما، ثم نتوّج ذلك بوضع الرجال في إطار والنساء في إطار آخر؟

الألمانية أورزولا شوي تعتقد أن التربية هي التي تجعل الذكر ذكراً والأنثى أنثى. لذلك، تستهل كتابها "أصل الفروق بين الجنسين"، بهذه العبارة: "نحن لا نولد بنات أو صبياناً، إنما يجعلون منا هكذا!".

ورغم أن الغبار يتصاعد حين تفتح الكتاب الذي صدر سنة 1977 وأحدث ضجة حينها في الغرب، وربما صارت نتائج الكتاب في ذمة التاريخ وتجاوزتها المجتمعات الغربية وحققت حلم المؤلفة، فإننا في البلاد العربية لا نزال نردد في كل مناسبة: الفطرة.. الفطرة، والرجل لا يصلح أن يكون مربياً للأطفال، والمرأة لا تصلح أن تكون قاضية، لأنهما فطرياً وغريزياً لا يصلحان لهذه الأدوار.

وإذا كان الغرب قد أقرّ المساواة بين الجنسين، فإننا لا نزال بحاجة إلى أفكار مثل هذا الكتاب، فحتى إن لم تكن دقيقة وغير مناسبة أحياناً لطبيعة مجتمعاتنا، فعلى الأقل سيتضح مدى الظلم الذي تتعرض له الأنثى منذ ولادتها إلى أن يتوفاها الله بواسع رحمته.

تقول المؤلفة إن الصبية تربّى وتدرّب على أن تكون أنثى، وكذلك الصبي. وهذا يعني أنه لو تربى الصبي على الأنوثة لأصبح امرأة باستثناء أنه لن يُنجب، فهو سيصبح كائناً عاطفياً واجتماعياً وأقل عقلانية وغير مستقل وقليل الإبداع، لذلك، فمكانه هو البيت والعناية بالأطفال. والعكس مع الصبية، فإنها ستصبح رجلاً بكل ما في الكلمة من معنى العقلانية والاستقلالية والإبداع والقوة البدنية ومرونة الجسم. لذلك، فمكانها هو خارج البيت من أجل توفير لقمة العيش لعيالها وزوجها.

تبدأ عملية تربية الطفل ليكون أنثى أو ذكر منذ ولادته، فرغم أن الطفل لا يعرف إن كان ذكراً أو أنثى، ولا يفعل أي شيء يدل على جنسه، فإن الأهل لديهم قائمة طويلة بما يجب أن يفعله أو تفعله، "فمنذ ساعة الولادة يُمسخ البشر إلى نساء ورجال"، لا بقرار فطري وإنما بشري.
يبدأ الطفل في تطوير قدراته المعرفية والاجتماعية في أسابيعه الأولى عبر الإثارة الحسية، والتمييز أيضاً يبدأ من هنا، فالأمهات يحملن المواليد أكثر من حملهن المولودات.

ويحدث مثل هذا التمييز في الرضاعة، فالأولاد يرضعون أكثر من البنات، بسبب الاعتقاد السائد بأن الذكور أقل مناعة وأضعف من الإناث، ومن ثم فهم يحتاجون إلى حليب الأم. وقد يكون بسبب رغبة الأم في رؤية ابن قوي صلب العود تامّ الرجولة. وظلم البنت يكون حتى في مدة وطريقة الرضاعة، فالولد يشرب الحليب على أقل من مهله وله الحق في أخذ وقت مستقطع بين المصّة والأخرى، بينما البنت عليها أن "تفكّ" أمها وتخلّصها من الرضاعة، وبسرعة.

وهكذا، يربى الصبي على أنه كائن مستقل، بينما البنت تربى على الخضوع والالتزام. وهذا يأتي من كون الأم أصلاً تقر بسلطة الرجل عليها، ولو كان هذا الرجل مجرد رضيع. بينما هي لا تعترف بأي شيء للأنثى، لأنه "محّد أحسن من حد".

وثالثة الأثافي تكون في إفطام البنت قبل الولد، ثم في ترك البنت لتدبّر نفسها في الأكل بينما الصبي يلقى مساعدة في إطعامه إلى سن 4 أو 5 سنوات. وتكون النتيجة النهائية أن البنات يعانين أكثر من اضطرابات في الأكل كالتقيؤ والمزاجية والأكل ببطء شديد. 

(2) تذكير الذكور وتأنيث الإناث
 
من المعروف أن الرجال يثارون بصرياً والنساء سمعياً، لكن هذا الفارق ليس فطرياً وإنما هو اكتساب وتربية، فالأم تثير طفلها بطريقتين، الأولى من خلال إثارته باللمس والبصر، والثانية من خلال تكرار سلوك الطفل نفسه، خصوصاً حين يصدر أصوات معينة. ولأن الأم أنثى، فإن صوتها وهي تقلد ابنتها يثير انتباه هذه الصغيرة، بينما لا يلفت التقليد انتباه الصغير، بل يتأثر باللمس والأشكال التي تُعرض أمامه. فهذا يطوّر بصره وتلك تطوّر سمعها. بل إن مهارات الصبي تزيد لأنه يسمع صوتاً جديداً، هو صوت أمه المغاير لصوته هو، بينما البنت تسمع نفسها من خلال صوت أمها، فكأنها تسمع صدى صوتها لا أكثر ولا أقل. ولو كانت الأم ذكراً، لربما كانت النتائج عكسية.

ولأن الأمهات يقضين وقتاً أطول مع الأبناء، فإنهم يحظون بـ"نبع دائم للإثارة البصرية والسمعية والحسية-الحركية والتقبّلية الذاتية". ولأن البنت تنام أكثر من الولد، فإن الأخير يحتك بمحيطه أكثر من البنت النائمة، ومن ثم تزداد فرص الولد في التعلّم.

ثم تقول المؤلفة إن سلوك الأم يتبدل بعد الشهر الثالث، فالتودّد إلى البنت يزداد في هذا العمر، فهي تبتسم لها وتقلدها وتهزها وتحملها أكثر. أي تفعل معها كل ما كانت تفعله مع الصبي من قبل. والغرض من هذا هو أن تنشأ البنت على أن تكون اجتماعية وودودة. بينما الصبي في عمر الثلاثة أشهر يُدفع ليكوّن عضلاته، فالأم تعرّضه لمواقف يضطر فيها لاستعمال عضلاته.

وفي أمور النظافة يحدث تمييز صارخ، فالبنت يجب أن تتعلم كيف تسيطر على نفسها بسرعة، بينما الصبي أمامه وقت طويل. والأمهات يتسامحن مع الولد الذي يرشح فضلات، بينما هذا سلوك مرفوض من البنت، لأنها تربّى أصلاً لتكون مسؤولة غداً عن مَن هم حولها.

ثم يأتي التمييز في الألعاب والألوان، فعلى سرير الرضيعة تعلّق أشياء بنوتية كالدمى والأزهار أو أشياء حيادية كالعصافير والبالونات، بينما توضع على سرير الرضيع الأشياء التي سيستخدمها عندما يصبح رجلاً، كالسيارات والسفن. واللون الزهري للرضيعات والأزرق للرضع. 

ثم يحظر على الصبيان اللعب بألعاب البنات، بينما العكس مسموح به، فلأن الذكر هو الأعلى، فإنه يُسمح للبنت أن تحاول الصعود إلى القمة الذكورية. ولأن الأنثى هي الأدنى، فغير مسموح للولد النزول إلى مستوى البنات.

وتعاد تربية الصبي منذ الشهر السادس، فبعد أن كانت أمه تعامله على الطريقة المقرّبة من خلال اللمس المتكرر والمداعبة والحمل والهدهدة والتقبيل، فإنها تسلك معه الطريقة المُبعدة التي تناسب استقلاليته الفيزيائية التدريجية، من خلال رمي الألعاب بعيداً عنها حتى يبتعد عنها ويتفاعل مع محيطه أكثر.

وهذه الطريقة التي لها دور هام في التطور العام للطفل لا تسري على البنات، بل على العكس، فبعد تجاهل البنت في الشهور الأولى، فإن الأم تقرّبها منها، وتضعها تحت المراقبة والتأثير المباشر، على الرغم من أن الطفل في هذه المرحلة من عمره يحتاج إلى استقلالية أكبر.
  
(3) إعادة إنتاج الفوارق بين الجنسين
 
تؤكد المؤلفة من خلال الدراسات والاستبيانات أن التربية، وليس الفطرة، هي التي تخلق الفوارق بين الجنسين، ومن ثم يعيد المجتمع إنتاج الأدوار الذكورية والأنثوية. 
فتقول مثلاً عن الاعتقاد السائد بأن الأم هي الأجدر بدور الأمومة بأنه اعتقاد ليس له أساس حقيقي، وكل المسألة أن هذه الأم حين كانت طفلة تربّت لتكون أماً في المستقبل. نعم هي أم بيولوجياً ولمدة تسعة أشهر فقط، أي أنها أم بحكم طبيعة جسدها خلال تلك المدة، لكنها تبقى أماً طيلة عمرها لأنها تربّت على ذلك.  
 
والمثال على ذلك هو الدمى، فعندما تعطى الصغيرة الدمية، فإن الأهل لا يضعون الدمية أمامها ويذهبون في حال سبيلهم، وإنما يلقّنونها ويُكسبونها معرفة هَدهَدة الدمية ونزع ثيابها وغسلها وإطعامها، فإذا قامت البنت بعد ذلك بمعاملة الدمية كأنها وليدتها هي، قال الأهل بتعجب: سبحان الخالق، لقد ظهرت غريزة الأمومة فيها مبكراً! والبنت تُربى لتكون أماً بينما الولد لا يُربى ليكون أباً وإنما ليكون رجلاً فحسب.

وعملية التلقين والتربية تدخل في اللغة أيضاً، فالبنت لا تتحدث بصوت عالٍ ولا تقاطع الكبار ولا يجوز أن تتلفظ بكلمات معينة، بينما لا يُضيق على الولد في هذه المسألة. بالطبع هذا الإصرار على التزام البنات بسلوك معين والأولاد بسلوك آخر يكون أشد لدى الآباء، خصوصاً حين يتعمّد الأب التحدث مع ابنه بصوت خشن، ومع ابنته برقة. هذا ما توصّلت إليه المؤلفة الغربية عن الآباء الغربيين، فما بالكم بالآباء الشرقيين، بل المسلمين، بل العرب، بل الخليجيين؟

وفي سن الروضة يبدأ الأطفال في تمثيل وتقليد وظائف وصلات الكبار، ويكتسب الولد والبنت معايير وقواعد وأحكام الرجال والنساء. ولأن المرأة هي في مرتبة أدنى من الرجل، بحسب الدور الاجتماعي وعلاقات الخضوع والسيطرة والتبعية بين الجنسين، فإن الطفل يتأثر بدوره ويكون نسخة من الكبير الذي يماثله في الجنس. فالولد يؤدي دور الأب والطبيب والطيار، والبنت تؤدي دور الأم والممرضة والمضيفة، فالأول يعيد إنتاج منزلة الذكور المتفوقة، والثانية تعيد إنتاج منزلة الإناث المتدنية. وواضح أن المسألة هنا لا علاقة لها بالفطرة وإنما كل طرف يكتسب العلاقات وأنماط السلوك القائمة فعلاً في عالم الكبار. 

وتؤيد المؤلفة وجهة نظرها هذه بألعاب تقمّص شخصيات الحيوانات، فإذا تقمّص الولد دور القط والبنت دور الفأر، فإنهما يجدان صعوبة في محاكاة هذه الأدوار، بينما لا يجدان مثل هذه الصعوبة في أداء دور الأب والأم.

وتساهم الألعاب الرياضية المخصصة للأطفال في تكريس تذكير الذكر وتأنيث الأنثى، فالبنات يحرمن من بعض الألعاب التي تحتاج إلى بذل جهد مضاعف، بزعم أنها لا تناسب فطرتهن. وبذلك، يُسد عليهن الطريق لتطوير قدراتهن الجسدية. وتبقى هذه الألعاب حكراً على الصبيان، بينما البنات يلعبن لعبة الرقص في حلقات والألعاب الغنائية الخفيفة. وتكون النتيجة أن الرشاقة والرقة الزائدة والمشية المختلفة وضعف البنية والقدرة الجسدية تكون صفات أنثوية موروثة، بينما هي في الحقيقة خلاصة سنوات من التمرين المنظّم.

ويحدث مثل "التمرين" في الرسومات الموجودة على الكتب الرياضية، فهي في الغالب رسومات لرجال يؤدون الألعاب الرياضية المختلفة. وهذا كله يؤدي في خاتمة المطاف إلى ظهور رجال أقوياء جسدياً ونساء ضعاف جسدياً. وهو ما يؤدي بدوره إلى خضوع النساء للأقوياء واستسلامهن حتى للضرب على أيدي الرجال.
  
(4) فخ "الجوهر الطبيعي" للمرأة
 
يستمر التأكيد على الفوارق بين الجنسين وتعزيزها في كل مرحلة وفي كل الأشياء. من ذلك ما يحدث في الألعاب، فعادة ما تكون الألعاب العلمية والتقنية مخصصة للذكور، وهذا يتسبب في عدم اكتشاف مواهب البنات أو إخماد اهتمامهن بالعلم والتقنية. وتكون ألعاب الأولاد أغلى وأكثر تنوعاً، بينما ألعاب البنات دونية ورخيصة وقليلة التنوّع.

وفي الملابس التنكرية فإن ملابس الأولاد هي لشخصيات قيادية وعظيمة وخارقة، كزعماء الهنود الحمر وروّاد الفضاء والسوبرمان والرجل العنكبوت، بينما يتنكرن الفتيات بملابس توحي بالعجز والخمول والخضوع والخدمة، كالأميرات والعرائس والممرضات.

أما في العمل المنزلي، فعلى رغم أن دور الجنسين يكون متشابهاً في الصغر، إلا أنه سرعان ما يختلف مع مرور الأيام. ففي سن العاشرة مثلاً تكلّف البنات بالأعمال الداخلية بينما الأولاد يكلّفون بأعمال خارجية.

والبنات يتعلمن المشاركة في الأعباء المنزلية مبكراً، وبصورة متقنة ومنظمة، والهدف هو غرس السلوك الانضباطي فيهن: "الاتقان والشعور بالواجب والمثابرة والاستعداد للمساعدة والتضحية والاجتهاد والتغلب على الذات والمراعاة"، بينما لا يحدث كل هذا مع الأولاد أو يحدث بدرجة أقل.

وتعرض المؤلفة لنموذج تكريس ذكورية الذكر وأنوثة الأنثى وذلك في الكتب المصوّرة، فعلى رغم أن النساء هن نصف أي مجتمع، إلا أن تمثيلهن ضعيف في الكتب المصوّرة، لصالح الصبيان والرجال والحيوانات المذكرة. وإذا ظهرت الأنثى، فهي إما أم لابن شجاع أو زوجة لرجل عظيم، وإما هي شخصية تافهة وهامشية.


وتعرض المؤلفة لنتائج بحث في هذا الخصوص خَلص إلى أن الصبيان في الكتب المصوّرة فاعلون يقومون بأدوار مثيرة ولهم شخصيات مستقلة، والبنات سلبيات وبطيئات يلبسن ملابس تعيق حركتهن، وكل ما يميز البنت في هذه الكتب أنها جميلة لا تفارقها الابتسامة، وذلك لأنها خُلقت بهدف إسعاد الآخرين.

والبنات في هذه الكتب أكثر تواجداً من الصبيان في البيت، تكريساً لما يُراد بها. والأولاد في الكتب لديهم مغامرات مشتركة بعكس البنات، ووجود بنت مع أولاد يعد إعلاءً لشأنها، بينما وجود صبي مع البنات يعد انتقاصاً من قيمته.

والبنت في هذه الكتب تدور في فلك الولد، فهو علة وجودها، مثلما أن الرجل هو علة وجود المرأة. وإذا كانت المغامرة تتحدث عن خطف وتحرير وإنقاذ، فالبطل هنا هو الصبي بينما البنت ضحية ترتجف. وأهم ما في هذه الكتب هو العمل الذي تقوم به البنت، فهي تطبخ لأخيها البطل.

وتطالب المؤلفة النساء بتحرير أنفسهن من مقولة "الجوهر الطبيعي" للمرأة، أي تلك الفروقات وأنماط السلوك التي توصف بأنها فطرية في المرأة، بينما هي في الحقيقة مكتسبة. ثم العمل على تغيير تربية الجنسين، لكن قبل ذلك على النساء أن يغيّرن أنفسهن ويغيّرن العلاقات التي يعشنها، ليصبحن قادرات على تربية أطفالهن تربية مغايرة، إذ "نحن النساء ولا غيرنا، القوة والضمان لتحريرنا"، حسب تعبير المؤلفة. 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01