search
إصدارات
ارتباطات
خشن كتمساح وعنيد كبغل
26/9/2010
كان مقالاً محايداً لا دين فيه ولا جنس ولا سياسة، وهي الموضوعات التي يمكن أن يختلف الناس بشأنها، ورغم هذا، وصلتني رسالة إلكترونية أولها سب وآخرها شتم وما بينهما تهديد مباشر وكلام قاس يذوّب الحديد، لم يوجه إليّ مثله منذ أن خلقني الله وربما لن أسمع مثله أبداً.

مع السطور الأخيرة من الرسالة كانت يداي ترتجفان من التوتر والغضب، واتخذت قراري بالتوقف عن الكتابة، وتذكرت أكثر من شخص نصحوني بترك القلم وما يسطرون، خصوصاً أنني كنت في بداياتي ولم أدخل في مرحلة إدمان الكتابة، لكن كان لا بد من أخذ الإذن بالتوقف من صديقي وأستاذي ورئيس تحرير المجلة التي تنشر مقالاتي، فاتصلت به وأخبرته، وكان هذا الرجل من النوع الذي يعالج حالات توقف نبض الكتابة بالصدمات الكهربائية، فقال وهو يضحك: إذا كنت تريد أن تبكي بسبب رسالة تافهة، فاترك الكتابة تذهب في حال سبيلها، فهذه الحرفة لا تناسب من لم يكن جلده مثل جلد التمساح الذي لا يتأثر بشيء، ولم يكن عناده وإصراره مثل عناد وإصرار البغل الذي لا يتزحزح من مكانه. فقلت له بأنني سأرد على ذلك الشخص وأوضّح له موقفي ووجهة نظري، فقال: الحوار مطلوب مع من ينتقد، أما الذي يسب ويشتم فلا حوار معه.     

رميت تلك
الرسالة وراء ظهري وواصلت الطريق، لكنني تسلمت رسالة أخرى بعد مدة من المستوى نفسه، فاتصلت بالأستاذ وأخبرته، فقال موبخاً: أنت محظوظ لأنك تكتب، ومحظوظ لأن هناك من يقرأ لك، ومحظوظ لأن أفكارك وأحلامك تنشر علناً أمام الملأ، ومحظوظ لأن لديك نافذة تطل منها على الناس وتبث همومك وآلامك، ومحظوظ لأن هناك أشخاصاً كثراً يملكون موهبة الكتابة لكنهم لا يجدون مجلة أو جريدة تأخذ بيدهم..

في مقابل كل هذا الحظ، أليس من العدل والمنطقي أن تتلقى بين الحين والآخر بعض الشتائم؟ هل تريد أن "تكوّش" على كل شيء من دون أن تدفع ضريبة بسيطة؟ وقبل أن تنتهي المكالمة قال: أرجو أن تكون هذه آخر شكوى، وتستطيع أن تستعين بورق المحارم لتمسح دموعك بدلاً من أن تخبرني في كل مرة تصلك رسالة تجرح مشاعرك الرقيقة.

لكن  كما يقولون "الثالثة ثابتة"، فقد وصلتني أقسى الرسائل على الإطلاق، شخص يعرف الكثير عني، لم يترك شتيمة إلا وضعها في رسالته.
بقيت لأيام لا أعرف ماذا أفعل، وأخيراً قررت الاتصال بأستاذي فقال: كنت أعمل أستاذاً محاضراً في الجامعة، وهي تصرف لي راتباً شهرياً مقابل ذلك، لكني كنت أقول بأنني أنا المدين للجامعة وليست هي، وأنا من يفترض أن أصرف لها راتباً شهرياً، لأنها وفّرت لي منبراً أمارس فوقه هوايتي وأستاذيتي، وأحقق ذاتي وأنشر أفكاري، وهناك مئات الطلاب الذين ألزمتهم الجامعة أن يستمعوا إلى كل حرف أقوله.

والكاتب مثل أستاذ الجامعة بل هو في وضعية أفضل، لأنه يمارس هوايته ويحقق ذاته وينشر أفكاره على الآلاف، وإذا تمكنت كتاباته من البقاء حية بين الناس، فلم يخبُ بريقها ولم يتغير طعمها، فإن هناك مئات الآلاف من القراء على مدى السنوات. وفي مقابل هذه النعمة، ألا تصبر على رسالة سب لم يرها غيرك، كتبها شخص لا أحد يسمع له، بل إن القانون يمنعه من نشر شتائمه؟ 

رسائل السب الرابعة والخامسة كنت أقرأها كأنني أقرأ صفحة الإعلانات المبوبة.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
27/9/2010 07:42 AM
عزيزي وصديقي القديم جداً لؤي قائد: أسعدني كثيراً تعليقك، وسعدت أكثر لأنني لم أكن أتوقع أنك تزور المدونة، أرجو أن نلتقي قريباً لأنني مشتاق إليك وإلى طيبة قلبك وضحكاتك العالية.
أحمد أميري
27/9/2010 07:39 AM
* أخي محمد بابا: أشكرك على كلماتك الراقية. * أختي عفراء: هذا من ذوقك وأنا لا أتأثر بفصول السنة كثيراً لأنني طيلة العام أجلس تحت المكيف.
لؤي قائد
27/9/2010 07:37 AM
الناس أنواع وأشكال فلا يهمك من لا يرى الأمور سوى من منظور واحد، الكتابة نعمة كبيرة وأنت تستخدمها بشكل صحيح فلا يحزنك كلام الحاسدين.
عفراء
27/9/2010 07:37 AM
المدهش في كتاباتك أنها تحتفظ بقوتها وجمالها في جميع الفصول من العام تحيتي لك يا أحمد أميري.
محمد بابا
27/9/2010 07:36 AM
لو لم يتألم المريض لما صاحَ وبكى .. أنت طبيب جراح ولذلك لا تستخدم المخدر بل أجري عملياتك والناس صاحيين كما تعودنا عليك .. ولن يضرك ما فعلتَ بعد اليوم .. تحياتي لك ..
أحمد أميري
27/9/2010 07:34 AM
* أخي بوخليل، نعم طبيعي وطبيعي جداً. إذا كان الله بديع السماوات والأرض يشتم والعياذ بالله، فمن نكون نحن كي لا نشتم؟ وعذرا على الانقطاع عن المدونة لظروف فنية أولاً ثم لظروف انشغالي بتجهيز كتاب جديد. * شكراً لكلماتك دكتورة دعاء وهكذا هي حال الدنيا، فيها الزين وفيها الشين كما يقولون. * شكراً أخي أحمد عمر والذين يحرفون الكلم عن مواضعه لا علاج لهم سوى تجاهلهم. * أخي سامي الخليفي، لا تخف علي، فقد اخشوشن جلدي ولا أريد أن أقول إنني أصبحت صلبا مثل البغل. * أخي الدكتور المهندس محمد، شكراً لتعقيبك ولولا قصص الأقدمين لصعبت علينا حياتنا، لكننا نجد عندهم الكثير من الحكمة التي تعيننا في دنيانا.
محمد
27/9/2010 07:33 AM
استاذ احمد اميري تذكر قول الشاعر وليس يلقى الا ما به ثمرووو وانت انسان مثمر ومنتج ومبدع (عاش المدح) وهنا تحضرني قصة الحسن البصري عندما اخبره بعض الناس ان رجلا شتمه فاخذ الحسن صحنا به تمر من اجود ما يكون التمر وذهب لمن سابه واعطاه التمر فقال له عجبا منك اسبك فتهديني تمرا فرد عليه الحسن : اهديتني حسناتك فاحببت ان اكافئك فهنيئا لك حسنات هالناس اللي ما فيها حشمة ولا اخلاق وارجو ان يكون كلامي عزاء بسيط لك بس ياخوي لا تقطعنا بمقالاتك الرائعة ربي يقويك والصبر ينولك ويعطيك مع السلامة د.م.محمد بوستيتي.
سامي الخليفي
27/9/2010 07:18 AM
إلى الأمام يابوشهاب، ماعليك منهم، تحية حب وتقدير لشخصكم الكريم.
أحمد عمر
27/9/2010 07:17 AM
مقال جميل و فعلا لم علينا ان نحفل بأمثال هؤلاء الذين لا يعجبهم العجب و لا الصيام في رجب .. لو اختلف الكاتب معهم في جزئية بسيطة اقاموا الدنيا و لم يقعدوها بل انهم قد يتهمونه بأبشع الأوصاف ... حصلت معي حادثة مشابهو بعد مقال نشرته في جريدة العالم صاحب الرسالة ترك المقال بأكمله و ركز على كلمة بسيطة جدا قد لا يلاحظها احد و لا فيها اصلا شئ يعيب لكنه فسرها بطريقة الخاصة و نثر عليها شئ من تفسيراته الشيطانية لدرجة انه طلب مني ان اتوب لله من هذا الذنب !!! اشكر لك قلمك استاذي العزيز
د.دعاء صابر
27/9/2010 07:16 AM
من يسب ويشتم لا حوار معه شكرا أستاذ أحمد على مقالك الذى ينبه الكثيرين على ضرورة احترام بعضهم البعض فالكاتب حينما يكتب مقالا ما هو يطرح فكرة واذا اختلف الآخر مع الكاتب فليناقش معه أما فى حالة سيادتكم واستلامكم رسالة خالية من أبسط قواعد الذوق العام فهذا لا رد عليه سوى التجاهل يقول الشاعر يخاطبنى السفيه بكل حمق وآبى أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة وأزيد حلما كعود زاده الأحراق طيبا.
bu-khalil
27/9/2010 07:15 AM
ماشاء الله عليك ... بالفعل، رسائل الشتم والسب صارت أمر طبيعي يتوقع الواحد وصولها إليه حالما يصبح موقعه مشهوراً بين الآخرين ... اشتقت لقراءة مدوناتك .. تحيتي واحترامي لك أستاذ أحمد ..
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01