search
إصدارات
ارتباطات
ساحر وجاهل وواعظ = شعوذة
7/11/2010

قبل فترة خصصت إحدى الإذاعات المحلية ساعة كاملة من وقت البث كل أسبوع لبرنامج يعلم الناس كيفية الوقاية من الجن والسحر والحسد، وأكّد مقدم البرنامج الواعظ الفلاني ألف مرة حقيقة دخول الجن الأجساد، وقال إنه حدثت 12 حالة تلبّس بالجن في صدر الإسلام، وأورد حكاية جني تشكّل على هيئة كلب ودخل في جسد صبي، ثم خرج من فمه وأخذ يهرول وهو ينبح.

وفي السعودية يتحدث الناس هذه الأيام عن القاضي الذي تلبّسه الجن، فقد تورّط قاضٍ بالمدينة المنورة في قضية فساد مالي ضخم، وعند سؤاله في التحقيقات قال إنه مسحور، وإن أحد أطراف القضية سيطر عليه من خلال جني تلبّسه. وتدخّل أحد المشتغلين بالرقية الشرعية وأكد أنه تحدث إلى الجني اللعين الذي تلبّس القاضي المسكين، فطالبه رئيس المحكمة بإعداد خطاب للمحكمة يتضمن المعلومات التي أوردها الجني الذي استنطقه (!).

لذلك حين يطالب بعضهم بإصدار تشريع يجرّم زبائن السحرة الذين يقال عنهم إنهم يعيشون في عصر الظلام والجهل والتخلف، باعتبارهم الممولين والشركاء في الجريمة والأساس في انتشار ظاهرة السحر والشعوذة، فإنه ينبغي المطالبة أيضاً بتجريم من يروجون لهذه الخرافات ويضخّمون من قدرات السحرة والمشعوذين. فالعلاقة "الشعوذية" ليست من طرفين فقط، الساحر والزبون، بل هناك طرف ثالث لا أحد يحمله أي شيء، بل يلجؤون إلى هذا الطرف بالذات لـ"تنوير" الناس.

الطرف الثالث هو الذي يضخّم من قوة السحر، ويهوّل من أمر الشعوذة، ويملأ عقول الناس بالخرافات والكلام الفارغ عن قدرة الساحر والمشعوذ على قلب الأمور، وتحويل ماء المكيفات إلى مشروب غازي، والهمبرجر إلى غوزي.. بالطبع بإذن الله. وتحويل ليلنا إلى نهار، وأزواجنا إلى خواتم في أصابعنا، والقضاء على العنوسة، والنجاح في الامتحان، وازدهار التجارة، وتسجيل الأهداف من منتصف الملعب بشقلبة هوائية. ثم يردف محذراً: إياكم والاقتراب من السحرة والمشعوذين.

خرافات تروّج في الليل والنهار، وفي الصحف وفي الإذاعات والمسلسلات، وعلى يد، ومن فم وعّاظ ودعاة ورجال دين، وإعلاميين، وفنانين، وتربويين، وأناس عاديين، ومواقع على الإنترنت مخصصة لهذه الخزعبلات.  

إن هذه القصص هي من أسباب لجوء بعض الناس إلى السحرة والمشعوذين، إما للاستفادة من قدرتهم والنكاية بخصومهم من خلال تسليط الحيوانات الجنية أو الجن الحيواني للدخول في أجسادهم، بل ويمكن السيطرة حتى على القضاة والمسؤولين، وإما للوقاية أو التحقق إن كان هناك "عمل" قد أجري ضدهم.

ولا يُلام بعد هذا من لجأ إلى السحرة والمشعوذين الذين يستطيعون التحكّم في كل شيء من حولنا، بالطبع بإذن الله. فإذا كانت هناك جهة تؤكد أن الدروس الخصوصية تضمن نجاح الطالب وحصوله على أعلى الدرجات، فإن هذه الجهة تعد شريكة المعلم الذي يعطي الدروس الخصوصية، وشريكة لولي الأمر الذي يلجأ إلى هذا المعلم، حتى لو كانت تلك الجهة تحذر من الدروس الخصوصية.

أي إنسان مهزوز وضعيف ومحتاج ومتورّط، سيسيل لعابه أمام قدرات الساحر والمشعوذ التي تضخّم من قبل هؤلاء الوعّاظ والمشتغلين بأمور الوقاية من هذه الأشياء الوهمية. والزبائن مجرد نتيجة لوضع مَرضي وغير قابل للشفاء لأنه لا يؤمن أصلاً بالعلاج النفسي ومستسلم بالكامل لما وجد عليه الآباء والأجداد من اعتقادهم بهذه الخرافات المتراكمة جيلاً بعد آخر، وكتاباً نقلاً عن كتاب.

إذا كان تجريم زبائن المشعوذين ضرورياً باعتبارهم الممولين، فإن المروّجين يستحقون التجريم أيضاً.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01