search
إصدارات
ارتباطات
المبادرة.. بيد لجنة الدفن
14/11/2010

لحسن الحظ أن القمة العربية الاستثنائية التي أقيمت مؤخراً في مدينة سرت الليبية خرجت بتوصية مهمة تتعلق بتشكيل لجنة وزارية لدراسة مبادرة "رابطة الجوار العربي" بالاستعانة بفريق من الخبراء السياسيين والقانونيين والاقتصاديين.

وستتكفل هذه اللجنة مشكورة بمهمة دفن المبادرة في الحديقة الخلفية لمقر جامعة الدول العربية، فمن المعروف أن اللجان أفضل من يقوم بدفن المبادرات. وكما يقولون فإن إكرام الميت دفنه، والمبادرة وُلدت ميتة من الأساس، ودفن الجثة خير من بقائها على الطاولة لتضاف إلى الجثث المتفسّخة التي تتقاتل عليها الدول العربية منذ عقود.

ولا بد في حفل تأبين المبادرة من إلقاء بعض الكلمات تخليداً لذكراها، فقد تقدم بهذه المبادرة السيد عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية، بهدف إقامة مؤسسة دائمة للحوار بين الدول العربية ودول الجوار.

وقيل إن دوافع إطلاق المبادرة أتت من "الشعور العميق بأن مواجهة التحديات الضخمة المفروضة على المنطقة تتطلب بناء علاقة تواصل وتضامن بين العرب وجيرانهم المسلمين والأفارقة، خصوصاً أن بينهم دولاً فاعلة ومهمة وذات حضور في غير مجال".     
 
وقيل العكس في دوافع المبادرة، فمن قائل إنها مجرد زلة لسان ونكتة، ومن قائل إن صاحب المبادرة سيترك منصبه عن قريب ويسعى إلى إضافة اسمه ضمن سجل "إنجازات" الجامعة، ومن قائل إنه يتطلع إلى خوض انتخابات الرئاسة المصرية وسترفع هذه المبادرة من رصيده الشعبي.

وقيل الكثير من الكلام الجميل عن هذه المبادرة "النبيلة"، فهي بنظر المؤيدين لها ستخلق تكتلاً إسلامياً داعماً للعرب في صراعهم مع إسرائيل، وستمهّد الطريق أمام حوار جماعي يحدّ من المخاطر الطائفية في المنطقة، وسيجهض محاولات عزل إيران أو الاستفراد بها وتكرار السيناريو العراقي الذي أحدث أضراراً بالغة بالعالم العربي.

وعلى العكس من ذلك، وُصفت المبادرة بأنها النسخة الإيرانية من المشروع الأميركي المسمى بـ"الشرق الأوسط الكبير"، وأنها ضرب من التعويض، بعد أن عجزت الجامعة العربية عن ضبط إيقاع العلاقات العربية- العربية، فإذ بها تحاول ضبط إيقاع العلاقات خارج منظومة الدول العربية. وقال عنها آخرون إنها تسويغ واعتراف عربي بما تدعيه بعض دول الجيران.

ولو أحسنا الظن وأغمضنا عيوننا عن كل سلبيات الهيكل الهلامي المُقترح، فإننا سنعود إلى المربع الأول، وهو الكلام عن التحديات التي تواجهها المنطقة، وما يمسّ الأمن القومي العربي وما لا يمسّ، والأولولية في كل هذا.

فما تراه بعض الدول العربية تحدياً خطيراً، لا تجده كذلك دولاً عربية أخرى. والارتياب الخليجي يختلف عن الهواجس السورية، والتي تختلف بدورها عن القلق المصري، والذي يختلف بدوره عن الهموم المغاربية، والتي تختلف عن المخاوف السودانية.. وهكذا. 

ولو أخذنا أهم دول الجوار، وهي إيران وتركيا وإثيوبيا وإسبانيا، فسنجد أن هذه الدول بالذات لديها مشكلات عالقة مع الدول العربية التي تجاورها بالذات. بينما ليست هناك قضايا شائكة بين معظم دول المغرب العربي وبين إيران، ولا توجد مشكلات بين جيبوتي والسودان والصومال وأرتيريا وبين تركيا، ولا توجد أي خلافات بين العراق أو سوريا مع إثيوبيا، كما لا توجد أزمات بين دول الخليج وإسبانيا.

لو سخّر عمرو موسى القليل من وقته للاطلاع على العلم الذي تركه الجاحظ لأطال التفكير قبل إطلاق تلك المبادرة، إذ يقول إن الجيران يتحاسدون لأن لهم طلائع وعيوناً نواظر على بعضهم بعضاً. ويدلل الجاحظ على كلامه بالقول إن أول أسباب حبّ عامة المسلمين للنصارى وكرههم لليهود هو جيرة اليهود للمسلمين، بينما النصارى وبسبب بُعد ديارهم، لا يتكلفون طعناً، ولا يثيرون كيداً، ولا يجمعون على حرب.

ويؤكد الواقع على الأرض كلام الجاحظ، فكل دول الجوار العربي تقريباً لديها ملفات عالقة مع الدول العربية التي تجاورها بالذات. وأهم دول الجوار العربي تقريباً تحتل أراضي تابعة للدول العربية التي تجاورها بالذات، والدخول في تكتل مع دولة تحتل أرضك يعني التسليم بادعاءاتها، وهذا لا يحتاج إلى عبقرية.  

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01