search
إصدارات
ارتباطات
وجع الضرس وأوجاع أخرى
14/11/2010


صدر في القاهرة مؤخراً كتاب بعنوان "طه حسين والصهيونية". فقد وجّهت لعميد الأدب العربي "تهمة" تجاهل قضية فلسطين. ولحسن الحظ عثر محامي الدفاع بين أوراق موكله على بعض المقالات والحوارات التي تؤكد براءته.

وكما يُتهم اليوم طه حسين وعدد من مفكري جيله بتجاهل قضية فلسطين في بداياتها، فإن مثقفي هذه الأيام سيحاكمون غداً لو لم يتصدوا للقضايا الجديدة التي تفرض نفسها كل يوم على مجتمعاتهم، ويستحفل خطرها، ولا يجد الناس من يوضح لهم أبعادها ويضيء لهم الطريق.

أعتقد أن الانشغال بالقضية الفلسطينية فرض كفاية على النخب المفكرة في كل بلد عربي، يكفي أن يحمل نفر منهم على عاتقهم مهمة إبقاء جذوة القضية مشتعلة، بينما تصدي المفكرين والمثقفين لقضايا مجتمعاتهم فرض عين عليهم.

لم تعد القضية الفلسطينية ضمن دائرة الاهتمام العربي المباشر والفاعل، والأسباب كثيرة وأهمها القضايا المحلية التي تؤثر على حياة الناس وتحدد مصيرهم ومستقبل أبنائهم. تلك القضايا التي تؤرق بلداً بأكمله، والهواجس العامة، والأخطار التي تهدد كيان الدولة وتضر بمصالحها الكبرى، والتي قد لا تهم ولا تضر بالدول الشقيقة.  

الأولوية عند المثقف الخليجي هي الخطر الطائفي والتطرف الديني والدور الإيراني في إقليمه، ومثله المثقف العراقي الذي لا صوت يعلو على صوت قضيته الداخلية، ومثلهما المثقف اليمني والسوداني والمصري وغيرهم.    

استئثار القضية الفلسطينية بالنصيب الأكبر من الاهتمام الرسمي والشعبي طيلة الوقت، يضر بالقضية أكثر مما ينفعها، فما الذي سيقدمه مجتمع مغيبة قضاياه الداخلية؟ وكيف يمكنه تبني قضية ما دامت قضيته معلقة في الهواء؟ 

أعتقد أن القضية الفلسطينية تحظى بأكبر عدد من المحامين لقضية واحدة على مرّ التاريخ. قضية تعد، ومنذ عقود طويلة، ضمن الأجندة الرئيسية لـ 57 دولة عربية وإسلامية، أي أكثر من ربع دول العالم. 

ولا يتردد اسم القضية الفلسطينية في قاعات وأروقة المحافل الدولية فحسب، بل هي قضية رئيسية في وسائل إعلام تلك الدول، وهي مقرر إلزامي في المناهج التعليمية، وهي القضية الوحيدة تقريباً التي يعرف عنها المليار ونصف المليار مسلم، ويمكنهم أن يتابعوا تطوراتها ساعة بساعة. 

المعاناة الهائلة التي يتعرض لها الفرد الفلسطيني أخذت دائماً ما تستحق من اهتمام سياسي، ولو من باب المجاملة، واهتمام جماهيري، وإعلامي، وقانوني في بعض الأحيان، وشعر ورثاء وأفلام ومسرحيات في كل الأحيان، لأن عشرات الدول بمؤسساتها وشعوبها تقف خلف تلك المعاناة، بينما معاناة المواطنين في بلدانهم لا يسمع بها أحد.

وهي معاناة لا تقل عن معاناة الفلسطيني، لأن أوجاعها تظل محبوسة في الصدور وأنينها لا يصل الآذان. ذلك أن القضية الفلسطينية قضية مشتركة بين كل العرب وكل المسلمين، تجمع حولها الدول والشعوب، بينما قضايا كل بلد وكل شعب لا تهم البقية، بل إن محاولة تسليط الضوء عليها قد تؤدي لقطع العلاقات بين الدول، كآلام الشعب العراقي في ظل النظام السابق التي لم تكن تعني إلا القليلين، وآلام أهل دارفور التي لم تكن يوماً ضمن اهتمامات الشعوب العربية. 

وإذا جاز تشبيه القضايا بالأوجاع، فإن القضية الفلسطينية هي مثل وجع الضرس لدى كل عربي وكل مسلم، وقضايا هؤلاء الحياتية، التي هي قضاياهم المصيرية، ليست إلا آلام ركبة أو معدة. والإنسان يستنفر جميع أعضاء بدنه حين يوجعه ضرسه، ولا يفعل ذلك مع بقية الأعضاء. لكن كما أن للضرس حقاً علينا، فإن لبقية أعضاء جسدنا الحق أيضاً، والأولوية أحياناً.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01