search
إصدارات
ارتباطات
لو كان كل يوم عرفة
26/11/2009
يقف اليوم بضعة ملايين من المسلمين في عرفة، وهو من أهم أركان الحج، ومن أعظم الأيام عند الله، حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". وهناك أكثر من مليار مسلم في بيوتهم في شتى أنحاء المعمورة يبتغون فضل هذا اليوم، مستغفرين ذنوبهم ومستشفعين بنبيهم ومستمطرين رحمة ربهم.

كل مسلم في هذا اليوم المبارك وهذا المشهد العظيم مشغول بنفسه، وبما فعل في يومه وأمسه. لا يخطر على باله المذهب الذي يتعبّد من خلاله، ولا يعنيه مذهب الداعي على يمينه أو الباكي على شماله.

يتحرر المسلم في هذا اليوم من عصبيته وجاهليته، وينعتق من أوهام تفوقه وادعاءاته، ويكون لسان حاله: "أنا المسيء المعترف الخاطئ العاثر، أنا الذي أُقدم عليك مجترئاً، أنا الذي عصاك متعمداً، أنا الذي استخفى من عبادك وبارزك.. أنا الجاني على نفسه، أنا المرتهن ببليته، أنا القليل الحياء، أنا الطويل العناء"، وهو من دعاء علي بن الحسين في يوم عرفة.

لكن للأسف الشديد، عرفة لا يأتي إلا مرة كل عام، ولو كانت كل الأيام عرفات، لما وجد أكبر طائفتين من المسلمين الوقت للقيل والقال، واللعن والجدال، والقتل والقتال، والذي أحدث أكبر الشروخ في دين الإسلام وأسال أنهاراً من الدم الحرام.

لو كان كل يوم عرفة، لانفض المسلمون عن دعاة التعصّب، الذين يظنون أنهم يحسنون صنعاً، ويتقربون إلى الله باعاً حين "يرتّبون طرق المجادلات ويستخرجون فنون المناقضات"، غير مدركين "أن المناظرة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناسوقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس، هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عندالله، المحمودة عند عدو الله إبليس‏"، كما يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي.

وهي فوق أنها تضر بصاحبها وتجعله إبليساً على هيئة الناصح الأمين، فإنها لا تنفع أحداً من العالمين، حيث يقول المفكر العراقي الراحل علي الوردي: "لم نجد إنساناً اقتنع برأي خصمه نتيجة الجدل المنطقي وحده. إن هذا الجدل قد يسكت الإنسان وقد يفحمه أحياناً ولكنه لا يقنعه ويظل الإنسان مؤمناً بصحة رأيه حتى النفس الأخير.. والواقع أن الإنسان يؤمن بعقيدته التي ورثها عن آبائه أولاً ثم يبدأ بالتفكير فيها أخيراً. وتفكيره يدور غالباً حول تأييد تلك العقيدة. ومن النادر أن نجد شخصاً بدّل عقيدته من جراء تفكيره المجرد وحده. فلا بد أن تكون هناك عوامل أخرى، نفسية واجتماعية، تدفعه إلى ذلك من حيث يدري أو لا يدري".

لو كان كل يوم عرفة، لأفلس المتاجرون بالمذاهب والمسوّقون للمناقب، المتباكين على الصحابة أو القرابة، الذين اتخذوا هذه الدعاوي دكاكين يسترزقون منها، وتجارة لن تبور، ما دام الأتباع مشغولين بمن شقّ عصا الطاعة، ومن خرج على إمام زمانه، وبالفاضل والمفضول، والقاتل والمقتول، قبل ألف عام ويزيدون.

لو كان كل يوم عرفة، لترك المسلم جهاد الإنترنت، وخوض المعارك من داخل البيت، ولخرج هائماً على وجهه، فاراً من عمله، ليخوض المعركة التي لا فرار له منها، ولا سعادة إلا بالفوز بها، أي جهاد أعدى أعدائه، نفسه التي بين جنبيه.

لو كان كل يوم عرفة، لترك المسلم ادعاء أنه أفضل محام لأعدل قضية، وأنه أكبر متمسك بأوضح حقيقة، وأنه أحكم قابض على عنان المنطق والأدلة، لأنه في الحقيقة أفضل محامٍ عن شيطانه، وأكبر متمسك بهوى نفسه، وخير من ترك عنان نفسه بيد شهواته.

لو كانت كل أيامنا عرفة، لكانت كل أيامنا أعياداً.  

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01