search
إصدارات
ارتباطات
الإرهاب وعذاب السفر
30/10/2010
"السفر قطعة من العذاب"، لكن عذابه خفّ تدريجياً مع اختراع الطائرات التي سهّلت السفر وصار المرء يطوف حول الكرة الأرضية في ساعات قليلة وهو مضطجع.

لكن بموجب الإجراءات الجديدة لأمن المواصلات الأميركية، فإن المسافرين القادمين إلى الولايات المتحدة من 14 دولة سيذوقون العذاب الجسدي والنفسي، إذ سيخضعون لتفتيش احترازي يضمن عدم وجود أية مواد متفجرة مزروعة أو مهربة في أجسادهم أو ملابسهم الداخلية.

وبسبب المبالغة في التفتيش، اقترح أحد الظرفاء أن يغلّف الراكب بواسطة نايلون ويرسل إلى أميركا، فهو يتضمن مرور المسافر عبر أجهزة إشعاعية تظهره عارياً، وتفتيشه ذاتياً بما فيه تفتيش مناطقه الحساسة، ومنعه من دخول الحمام قبل ساعة من وصول الطائرة، وتشديد الرقابة على من يتردد أكثر من مرة على الحمام، ومنعه من تغطية جسده بالبطانية قبل ساعة من الوصول، ومن حمل أمتعة معه إلى داخل الطائرة باستثناء قطعة صغيرة واحدة، وإغلاق عمل الخرائط لئلا يحدد الركاب موقعهم، ومنع الطيار من اطلاعهم على معالم المدن الأميركية أو تحديد موقع الطائرة ولو لتحديد موقع القبلة.

كوبا هي الدولة النشاز ضمن مجموعة الـ14، لأن بقية الدول عربية وإسلامية صنّفتها أميركا بأنها إما راعية للإرهاب، وإما متورطة في أنشطة إرهابية، وإما هي تعاني من الإرهاب.

وإذا كان فرض هذه الإجراءات مقبولاً على الطائرات القادمة من دول راعية أو متورطة، لأنها هي من أوقعت المسافرين عبر مطاراتها في هذه الورطة، فإنه يبدو من غير المقبول فرض ذلك العذاب على طائرات دول تعاني من الإرهاب.

لكن الوضع يصبح مقبولاً في ظل حقيقة أنه ما من دولة تعاني من الإرهاب إلا ولها يد فيما تعانيه، إما بسبب تراخي حكومتها أمام الإرهاب، وإما بسبب تعصب مجتمعها الذي خلق المتطرفين الذين يسهل تحولهم إلى إرهابيين. ومثل هذا يحدث في الشارع، فقد تجد فتحة دوران تختصر الطريق، لكن بسبب كثرة الحوادث تُغلق السلطات الفتحة ويضطر الجميع إلى السير مسافة طويلة للعودة عبر التقاطع أو الدوّار.  
 
وارتفعت الأصوات مطالبة بمعاملة أميركا بالمثل وتحويل الوجهات السياحية والتعليمية والعلاجية إلى دول أخرى، لكن هذه المطالبات ستتحطم على صخرة الواقع، فلا الدول المعنية تستطيع معاملة أميركا بالمثل، ولا يمكن تحويل الوجهات بهذه السهولة، ففوق أن أميركا متفوقة على دول العالم في مختلف المجالات، فمن يضمن ألا تبادر بقية الوجهات إلى فرض مثل تلك الإجراءات؟

لا شك أن تلك الإجراءات تمسّ بكرامة الإنسان، لكن لا يشتم منها رائحة العنصرية والتمييز، لأنها ستسري على جميع الطائرات، الوطنية منها والأجنبية، وسيخضع لها جميع المسافرين، لا فرق بين أبناء البلد والأجانب. علماً بأن القيود الأمنية لم تأت إلا على أعقاب أحداث 11 سبتمبر المشؤومة.

تسبب بعض الجهلة ممن ينتمون إلى الإسلام في تشويه صورة أهله أمام العالم، وانتهى بسببهم ذلك الزمن الذي كان فيه الركاب يتقدمون بشكوى حتى من سوء أحوال الطقس. ولا تلام أميركا أو غيرها في المحافظة على أكثر وسائل النقل لديها أماناً، فخلال عامي 2007-2008 لم يلق أي شخص حتفه على متن طائرة في أميركا، علماً بأن عدد المسافرين بلغ خلال تلك الفترة 1,8 مليار شخص.

قبل سنوات قليلة كان رعايا دول معينة يقتادون دون بقية المسافرين إلى غرف التفتيش، بعد أن كانوا في زمن سابق يسافرون من دون تأشيرة ويضعون جوازات سفرهم على الكاونترات بثقة. اليوم ينضم إليهم في غرف التفتيش رعايا أو مسافرين من دول كانت تلقى معاملة مثالية، وما لم تضع الدول، ومعها المجتمعات، حداً للإرهابيين، فإن القائمة ستطول.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01