search
إصدارات
ارتباطات
نواب نوائب الدهر
30/10/2010
زوبعة جديدة أثارها نوّاب البرلمان الكويتي حين وجه نائب سلفي سؤالاً إلى وزارة الأوقاف بشأن­­­­­ "الضوابط الشرعية" التي على المرأة الالتزام بها عند ممارستها لحقها السياسي، سواء أكانت مرشحة أو ناخبة أو عضواً أو وزيراً.

السؤال بحد ذاته لم يكن المشكلة، فقد كان بمقدور فقهاء الوزارة تجاهله واعتباره من قبيل اللغو والتنطع، لكن حب الإفتاء يشوش على عقول بعض المفتين، ومن ثم لا يحسبون حساب نتائج الفتوى والأبواب التي يمكن أن يفتحها استعجالهم بالفتوى. فقد أبطلت فتوى الوزارة، نظرياً، عضوية نائبتين في المجلس من غير المحجبات، فالضوابط الشرعية التي حددتها الفتوى لا تنطبق عليهما.

وبرغم أنه لا صوت يعلو فوق صوت المحكمة الدستورية، المعنية بتفسير النصوص الدستورية وأحكامها واجبة النفاذ بالقوة، ومصير النائبتين معلق بها، بينما وزارة الأوقاف لا يطرق بابها إلا من أراد الفتوى من أجل الفتوى، إلا أنه نظرياً، و"شرعياً"، يحرم على النائبتين الاقتراب من مجلس الأمة، سواء بادرتا إلى ارتداء الحجاب أم لم تفعلا، لأن الفتوى المذكورة تبطل العملية الانتخابية برمتها، وتبطل عضوية النائب صاحب السؤال نفسه، لأن الكثير من الناخبات كن من غير المحجبات، وتلك الفتوى أيضاً تطال وزيرة في الحكومة الكويتية غير محجبة، وربما تطال النساء العاملات في الحكومة، وطالبات العلم، والمتبضّعات في الأسواق.

فتح باب الفتوى الدينية لغايات سياسية وحزبية في دول المؤسسات والدساتير، يضعف من دور المؤسسات ويجعل الدستور كتاباً للتسالي، ويعود بالمجتمع إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة. فهل خطر ببال فقهاء الوزارة أنه يمكن لنواب الأمة أن يشهروا فتواها سيفاً في وجوه خصومهم ويترجموا الفتوى إلى قوانين ملزمة لكافة الأفراد؟ وهل يضمن فقهاء الوزارة ألا يتزاحم على أبوابها نواب الأمة وبقية الأفراد ليوجهوا إليها أسئلة تعجيزية لا يمكن لها أن تجيب عليها إلا بوقوع ضرر أكبر من وضع السؤال في أدراج الإهمال؟

وماذا سيفعل المفتون لو وجه إليهم سؤال بشأن الضوابط الشرعية التي يجب على الرجل الالتزام بها عند ممارسته لحقه السياسي، سواء كان مرشحاً أو ناخباً أو عضواً أو وزيراً، خصوصاً أن مصطلح "الضوابط الشرعية" مصطلح مطاطي؟ فهل توفير اللحية وتقصير الشارب يعد من الضوابط الشرعية؟


 
 
وهل الكنادير التي تلامس الأرض تحرم أصحابها من ممارسة حقوقهم السياسية؟ وهل الإصرار على تدخين السجائر يحرم الفرد الكويتي من حقه في الانتخاب أو الترشيح أو عضوية المجلس أو العمل وزيراً؟ وعلى أي مدرسة فقهية تعتمد الوزارة في تحديد الضوابط الشرعية أصلاً: هل المدرسة السنية التقليدية أم السلفية أم الإخوانية وتفرّعات كل مدرسة من تلك المدارس؟ وماذا عن المدارس الفقهية من خارج المنظمومة السنية؟

وكيف سيصنع فقهاء الوزارة لو أخذت الأسئلة منحى آخر وأكثر خطورة من قبيل جواز ممارسة معتنقي بعض المذاهب الإسلامية أو الأديان السماوية من المواطنين الكويتيين لحقوقهم السياسية، خصوصاً أن بعض النواب، ينتمون لتيارات مذهبية متشددة، تكفّر المخالفين أو تصفهم بالمبتدعة وزوّار القبور؟ وإذا بقي هذا الباب مفتوحاً، فماذا سيحدث بعد مئة سؤال وفتوى، وحدوث التضارب والتناقض بينها على عادة الفقهاء في أبسط المسائل وأصغرها؟   

الديمقراطية الدينية من الطبيعي أن تضيق على الحريات العامة وتضيف إلى نوائب الدهر نواب متنطعين يتكلمون في أمر العامة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01