search
إصدارات
ارتباطات
عجائب الحوار والتقريب
24/9/2006


ليس شيء أدعى للتعجب كمثل الدعوة إلى حوار الأديان وتقارب المذاهب. فأهل البيت والأقربون يتجشمون عناء السفر وهدر الأموال في الطائرات والفنادق، للتقارب مع الجيران والحوار مع الأبعدين، ولمّا ينتهوا بعد من التقارب فيما بينهم البين بل لم يصلوا إلى الحد الأدنى من قبول بعضهم بعضاً. 

انظر مثلاً دعاة الحوار بين الإسلام والمسيحية: يسعون للحوار مع دين يختلف مع دينهم في الخطوط العريضة، بينما هم في الدين الواحد والإله الواحد والنبي الواحد والكتاب الواحد، يفسّقون بعضهم بعضاً وأحياناً يكفّرون وأحيانا أخرى تجري الدماء بينهم أنهاراً، وفي أفضل الحالات، يقررّون لهم النار ويحجزون لأنفسهم الجنة. 

 فكيف، والحالة هذه، يتقاربون مع دين لا يؤمن بنبيهم ولا بكتابهم وهناك اختلاف في الإله نفسه؟ ولا أعرف الخلافات في باقي الأديان، لكن الذي أعرفه أنهم ليسوا على قلب واحد في الدين الواحد حتى في أصول العقيدة ناهيكم عن الفروع، ولحسن حظهم أن الجوّ ليس مكهرباً فيما بينهم، والفضل يعود إلى ضعف نفوذ وسطوة رجال دينهم.

خذ دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية وتعجّب من تقاربها المزعوم. ففي المذهبين الرئيسيين، السني والشيعي، يسعى علماء من الفريقين إلى التقارب، بينما فريق مهم من السنة، كالسلفيين مثلاً، يعتبر الشيعة روافض ويرى أنهم أسوأ من اليهود والنصارى، والشيعة يعتبرون هذا الفريق وهابية ونواصب ومأواهم جهنم، بل إن هناك تهما متبادلة بين المدارس المختلفة في المذهب الواحد، وأحياناً في المدرسة ذاتها. 

فعند السنة مثلاً، يصف السلفيون الصوفية بالقبوريين و"الإخوان" بالحزبيين، بل قام أحدهم بوضع كتاب في أحد أقطاب الأخوان سماه "إسكات الكلب العاوي…" والاسم على وزن: فاعل الفَعَلاوي.

والسلفية ذاتها منقسمة على نفسها، هذا جهادي وهذا جامي وهذا مدخلي وهذا حربي. وجماعة "الإخوان" يعتبرون السلفية علماء بلاط وسلطان. 

الأمر عينه يحدث بين الشيعة، وليس ببعيد عنا حادثة اتهام رجل دين شيعي لبناني مقيم في إيران، على فضائية إيرانية، مرجع تقليد من البصرة يدعى "الحسني" بأنه ليس مرجعاً وإنما يدعي لقاءه بالمهدي المنتظر وتناول الشاي معه وأن المهدي زوج أخته. بينما مقلدو المرجع يتهمون القناة الإيرانية بأنها تهاجم العلماء العراقيين الرافضين لولاية الفقيه في إيران. وكلهم شيعة وجعفرية واثنى عشرية. 

 وحتى في التشيّع العراقي، هناك الحوزة الناطقة في مقابل الحوزة الصامتة، وهي تسميات مخففة والمقصد الحقيقي منها هو الحوزة الشجاعة والحوزة الجبانة. فكيف يستطيع هؤلاء، بهذه الأفكار، الجلوس كفريق واحد للتقارب مع الفريق السني الذي بدوره يشكّك كل متحاور فيه بعقيدة وإيمان زميله في الفريق نفسه؟ أنا بصراحة لا أفهم كيف يحدث هذا. 

ومع ضرورة الحوار والتقارب، وفي الوقت نفسه مع استحالة التقارب والحوار مع الجيران بينما النيران لا تزال مشتعلة في البيت الواحد، ليس للبشرية إلا البحث عن أنواع أخرى للتقارب، كالتقارب الثقافي والاقتصادي أو أي تقارب آخر ليس فيه رجال دين. 

يحكى أن عالماً من أحد المذاهب الإسلامية، اقتنع أخيراً بجدوى التقارب مع مذهب إسلامي آخر، لتغيير المفاهيم المغلوطة التي يحملها كل فريق عن الآخر وإزالة سوء الفهم بينهما، سعياً لتحقيق التعايش المشترك بين أتباع المذهبين، لكنه اشترط شرطاً بسيطاً هو أن ينطق محاوره الشهادتين قبل أن يجلس معه. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01