search
إصدارات
ارتباطات
هل الدولة إنسان؟
1/11/2010
لا تضع السياسة كبير اعتبار لمفاهيم مثل الخير والشر والحسن والقبح، لأن السياسة، كما يقولون، ذات طبيعة منفعية وغير معنية بتلك الثنائيات الأخلاقية، فما ينطبق على الدولة لا ينطبق على الفرد، والأهداف التي تسعى إليها الدول لا تشبه أهداف البشر، والعلاقات بين الدول ليست هي العلاقات بين الأفراد، ومعايير الدولة الناجحة أو الفاشلة تختلف عن معايير الأفراد الناجحين أو الفاشلين.  

لذلك لا نسمع عن دولة عادلة وحكيمة ورحيمة وكريمة وطيبة ومتسامحة ومسالمة ومجتهدة ومتعاونة وصادقة ومثقفة.. وهي قيم بشرية من يتحلى بها يعد إنساناً ناجحاً في عيون الآخرين وفي موازين البشر. وفي المقابل ليست هناك دولة ظالمة وحمقاء وقاسية وبخيلة وعنصرية وعدائية وكسولة وأنانية وكاذبة وجاهلة، فهي أيضاً صفات بشرية من كانت فيه عدّه الناس إنساناً غير سوي وغير أخلاقي وتحاشوا الاقتراب منه والاختلاط به.
 
لكن هل فعلاً الدول تختلف عن الناس بحيث لا تتشابه معهم في قيمهم وطبائعهم؟ في اعتقادي أن هذا الفصل المطلق والحدود القاطعة بين الدولة والإنسان فصل غير صحيح وتلك الحدود وهمية، وأن الدول تشبه الناس، وبصورة أدق الدولة تشبه الأسرة الواحدة، والدولة الناجحة هي التي تتحلى بصفات الأسرة الناجحة أو الخيّرة، والعكس مع الدولة الفاشلة التي هي نسخة مكبّرة عن الأسرة الفاشلة أو الشريرة، والنظام الحاكم هو ربّ الأسرة في الحالتين.

وبناء عليه، فإن أي دولة تلتزم بأخلاقيات الأسرة الناجحة وتضرب مبادئ "ميكافللي" بعرض الحائط، الذي يرى أنه ليس من الضروري أن تكون السياسة أخلاقية، فإنه من المفترض أو المتوقع أن تزدهر هذه الدولة وتتطور ويطول عمرها ويستقر نظام الحكم فيها. وفي المقابل، فإن الدول التي تفصل السياسة عن الأخلاق وتتشابه مع الأسرة الفاشلة، تعرّض نفسها لخطر التقهقر والسقوط في وحل التخلف والتراجع، ومن الطبيعي أن ينهار نظام الحكم فيها.

وكل ما سبق يمكن أن يُدرج في خانة رمي الكلام على عواهنه، لكن الأدلة من التاريخ ومن واقعنا الحالي على تشابه الدولة بالأسرة كثيرة، والأدلة على نجاح الدول الأخلاقية وفشل الدول اللاأخلاقية أيضاً كثيرة.

فإذا كانت هناك أسرة تحترف زراعة الأفيون، والذي يستخرج منه الهيروين، وهو من أشد أنواع المخدرات فتكاً، وفي حديقة منزل الأسرة توجد أكبر مزرعة أفيون في الحي السكني كله، بحيث ينتشر محصول هذا البيت السيء في أنحاء الحي، ويموت أبناء بقية الأسر يومياً بسبب ما تنتجه تلك الأسرة، فهل مصير هذه الأسرة إلى خير؟ ألن تبتلى بالكوارث والمصائب والانقسامات والاقتتال على عوائد الأفيون؟ وألن يحدث بها ما يحدث في دولة مثل أفغانستان مثلاً، المبتلاة بالحروب والاقتتال منذ عقود؟

وماذا يمكن أن يحدث في أسرة يكتم ربّها على أنفاس أهله طيلة ثلاثة عقود، فيحدد لهم ما يلبسونه وما يفكرون به وما يتابعونه في التلفزيون، ثم يدوّخهم بنظرياته الخرقاء ويحرّضهم على تصدير خرافاته، ويتدخل في شؤون الجيران الأقربين والأبعدين، ويبدد قوت الأسرة في تكديس الأسلحة لمحاربة الأعداء الذين صنعهم خياله، ثم يتقاتل هو وكبار الأسرة على زعامة البيت، ويقطع الاتصالات عن بقية أفراد الأسرة لكي يمنعهم من طلب النجدة؟

كل هذه الأفعال تعد لا أخلاقية، ومصير من يبني سياسته على هذه التصرفات الفشل والانهيار. ومثال النظام العراقي السابق خير دليل على وجهة النظر هذه، فنظام صدام كان في الأساس ساقطاً أخلاقياً، بظلمه وقسوته وعدائيته وغدره وطيشه وسوء تقديره، وهو ما أدى إلى سقوطه السياسي ثم اندحاره وهلاك قادته.

أما أمثلة الدول الملتزمة بالأخلاق، والناجحة بالتالي سياسياً، فنراها في معظم الدول الغربية، حيث يسود، وإن بشكل نسبي، العدل والتسامح والمساواة والعلم والعمل والاجتهاد، وكذلك في بعض الدول العربية، كدولة الإمارات العربية المتحدة، فرغم حجم الإمارات السكاني والجغرافي المحدود، فإن نجاحها هو قبل كل شيء نجاح أخلاقي.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01