search
إصدارات
ارتباطات
الألمان وحدهم يشعرون بالذنب
12/11/2010

أقرض ابن أختي نصف درهم لابن خالته، ثم أخذ المدين يماطل حتى تطوّر الأمر إلى عراك بالأيدي حين أنكر عملية الاقتراض أصلاً. علم الجميع بالأمر وقرر المدين تسديد دينه لكننا تفاجأنا بالدائن يرفض استرداد حقه مصرّاً على استرجاع العملة المعدنية نفسها التي أقرضها، وقال: أريد النصف التي عليها شخط (خدش)، وتدخّل الكبار وعرضوا عليه مبلغ عشرة دراهم، لكنه بكى واحمر وجهه ولم يغير موقفه.

حدثت هذه الواقعة قبل سنوات طويلة، كنت خلالها أعتقد أن ابن أختي الدائن متعسف في استعمال حقه، لكنه شرح وجهة نظره مؤخراً وقال إن القضية لم تكن في نصف الدرهم، وإنما في إنكار ابن خالتي عملية الاقتراض، فلو طلب مني إسقاط الدين لأي سبب، لكنت قد قبلت، لكن من دون الإقرار بحقي، لم يكن بوسعي السكوت أو تناسي الموضوع أو حتى القبول بمبلغ مئة درهم.

أجرت "الجزيرة" مقابلة مع أحد العراقيين عشية سقوط بغداد، وكان المذيع على ما أذكر يقارن بين ما حلّ باليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وبين ما يحدث في العراق، فرفض الرجل هذه المقارنة وقال وهو يصرخ إن اليابان وألمانيا ارتكبتا جرائم كبيرة لكن "ماذا فعلنا نحن العراقيين؟".

لا أريد أن أقع في فخّ التعميم، لكنني ألاحظ من خلال علاقتي بأصدقاء عراقيين، وكتابات لعراقيين، أن الإقرار بالذنب أو حتى الشعور به آخر ما يخطر ببالهم، فالكردي يقول إن جرائم النظام العراقي السابق تقع على عاتق العرب، والشيعي يشير بأصابع الاتهام لصدام وطائفته، والسُني إما أنه يمتدح صدام أو يقول إن أغلب أعضاء حزب "البعث" كانوا شيعة.

وفي لبنان الذي يعاني من النكبات منذ عقود، لم يعتذر أحد عن أي شيء، اللهم إلا ضابط واحد في "القوات اللبنانية" يدعى أسعد شفتري، اعتذر بشجاعة ولأكثر من مرة عن دوره في الحرب الأهلية، بل إنه اتصل بأقارب الضحايا الذين استطاع معرفة هوياتهم طالباً عفوهم.

وصف كاتب يعمل معلماً للإنجليزية في برلين تدفق الشعور القومي لدى الألمان احتفالاً بانتصارات منتخبهم في جنوب إفريقيا، بأنه تدفق مصحوب بقلق واضح ومحسوس، "لأنه داخل الطبيعة الألمانية توجد معرفة عميقة بتاريخ مريع. يولد الألمان ولديهم شعور بالذنب، كيف لا والتعليم العام لا يهدر فرصة لتلقين الأطفال منذ صغرهم التدمير الذي كان أجدادهم طرفاً فيه".  

يقول الكاتب إن الصحوة الألمانية بدأت في عقد الستينيات بين الشباب الألماني، "حين أدركوا ما صنعه آباؤهم وأستاذتهم وسياسيوهم، وتملّكهم الغضب"، وكان هذا الغضب عنيفاً وموجهاً ضد بقايا النازيين.


ويرى الكاتب أن ألمانيا من الدول القليلة التي كشفت عن تاريخها الملطّخ بالعار، وهي لذلك تلتزم بمسؤوليتها عن ماضيها، بينما دول أخرى تحاول "إعادة تحديد مسؤولياتها"، بما يعني التقليل من شأن جرائمها وإيجاد المبررات لها، كالنمسا ودورها في الحرب العالمية، واليابان ومذبحة نانكينج، وبلجيكا ومسؤوليتها عن إراقة الدماء في الكونغو اليوم، والولايات المتحدة وجرائمها في حق العبيد، فالجرائم التي ارتكبتها هذه الدول "بالكاد تحظى بأكثر من صفحتين في كتب التاريخ. وبالتالي، فبتناول ماضيها الأسود، بدلاً من إعادة تعريفه، تكون ألمانيا قد خلقت مثالاً يجدر بالآخرين اتباعه".  

أدرك الألمان أن الإقرار بالذنب والخجل منه هو أول خطوة لتصحيح المسار وطي صفحة الماضي، وأنهم من دون هذا الإقرار لن يصلوا إلى سلام مع أنفسهم، ناهيكم عن السلام والتصالح مع الآخرين. فمتى ندرك ما أدركه الألمان؟ 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01