search
إصدارات
ارتباطات
في الحقل بلا محراث.. كيف؟
13/11/2010

أعتقد أن معظم كتّاب وأدباء الإمارات يرددون الكلام نفسه عند سؤالهم عن الصعاب التي تواجههم. وكلما أثير ذلك السؤال الأسطوري في لقاء إعلامي أو منتدى ثقافي، كرروا الإجابة نفسها لدرجة أنني أخشى أن يسمعوا ذات مرة: أليس عندكم شيء آخر غير الكلام عن التفرّغ؟

وقد صدر قرار من مجلس الوزراء سنة 2007 بشأن إجازة التفرّغ الرياضي والثقافي والفني، لكن القرار لم يُفعّل بعد.

ولا أضيف شيئاً جديداً حين أقول إن الرياضي والأديب والفنان يحتاج إلى التفرّغ ليستطيع أن "يفعل شيئاً". صحيح أنه يطمح إلى تحقيق نجاحه الشخصي، وصحيح أن الرواية تُقرن باسم كاتبها، والقصيدة تنسب لقائلها، لكن الروائي أو الشاعر يمثل دولته في المقام الأول، فنحن نقول الشاعر الإنجليزي والروائي الكولومبي، والعدّاء حين يصعد المنصة يكون ملفوفاً بعلم بلاده وليس بالثوب الذي يختاره، ويُعزف السلام الوطني لبلاده وليس أغنيته المفضّلة.

يبقى الإنسان يقظاً 16 ساعة في المتوسط، وأفضل "الدوامات" وأكثرها راحة تستحوذ على 8 ساعات، أي نصف ساعات اليقظة بالتمام. وبعض جهات العمل الحكومية تستنفد أكثر من ذلك، وتضاهي القطاع الخاص في "استهلاك" الوقت في ساعات إضافية بعد الدوام، والعمل أحياناً في إجازة نهاية الأسبوع، وذلك لتلبية متطلبات التميز المؤسسي وتحقيق معايير الجودة. 

وإذا خصصت الكلام في الحقل الثقافي الذي أنتمي إليه، فإن هذه الساعات الضائعة من عمر الإبداع هي في الحقيقة ساعاته الذهبية التي لن تعوّض أبداً، ففي ساعات الصباح يكون المرء في قمة نشاطه وأقصى تركيزه وصفاء ذهنه ويقظة حواسه، وهي بمنزلة المحاريث التي يحملها الموهوب ليحرث في حقل الإبداع. وما يتبقى من الوقت مساءً لا يتسع إلا للقراءة والكتابة الخاطفة.

تأليف عمل مسرحي أو دراما تلفزيونية أو كتابة رواية يحتاج إلى نَفس طويل وصبر وعمل متواصل، خصوصاً إذا كانت هناك مواعيد للتسليم. والحضور الفاعل في الميدان الثقافي العربي والعالمي وحتى المحلي لا يجتمع مع الوظيفة ومستلزماتها.

ولو لم تكن الوظيفة المصدر الرئيسي، والوحيد أحياناً، لأكثر الكتّاب والأدباء الإماراتيين، لربما فضّلوا تحقيق أحلامهم على قبض الراتب آخر الشهر، لكن هذا الراتب هو "كل شيء" في الواقع. ويقال في أمثال العرب: "أدركته حرفة الأدب"، كناية عن سوء أحوال الأديب المعيشية، خصوصاً الكاتب العربي، والإماراتي، الذي لا تطعمه كتاباته خبزاً. 

وليس هناك خيار أمام المرء سوى انتظار التقاعد ليبدأ رحلة الإبداع على أصولها، لكنه في الحقيقة لن يبدأ في سن الستين إلا رحلة التنقل بين المستشفيات، هذا إن بقي حياً من الأساس. ولو أنعم الله عليه بالصحة وأمدّ في عمره فإنه في كل الأحوال سيعاني من ضعف الاندفاع وفتور الرغبة. والنابغة الذبياني لم ينظم الشعر إلا بعد أن أصبح رجلاً، ولو انتظر حتى يصبح عجوزاً لربما آثر الصمت إلى النهاية.   

أعتقد أنه يصعب على الكاتب والأديب أن يشق طريقه نحو الإبداع ما لم تذلل العراقيل الذهنية التي تواجهه، وآن الأوان كي يفعّل قرار مجلس الوزراء، خصوصاً أن التفرّغ الثقافي سيكون بطلب من وزارة الثقافة والشباب، ولسنة واحدة قابلة للتجديد، لئلا يتحول الأمر إلى بطالة ثقافية مقنّعة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01