search
إصدارات
ارتباطات
يبدع كالفراشة ويتعامل كالزنبور
10/11/2010
 
أقيمت ندوة لتسليط الضوء على فكر أديب راحل، وكان بين الحضور رجل سكران لم يتوقف عن الهذيان، وكان كلما ذكروا اسم الراحل وقالوا: كان فلان كذا وكذا، يقاطعهم السكران بصوت عال: كان فلان شاذ جنسياً. لم يعد بالإمكان مواصلة الندوة بعد أن انقسم الحضور بين مؤيد ورافض، فقال أحد المتحدثين على المنصّة وهو يشير إلى اللوحة المعلقة فوق رأسه: يا جماعة، هل مكتوب هنا ندوة لتسيط الضوء على فكر فلان أم لتسليط الضوء على أخلاقه؟ 

حين رويت لي هذه الواقعة لم أعرف ماذا أقول: هل نفصل عمل المبدع عن حياته، أم علينا أن ننظر إلى أعماله الفنية وطبيعة شخصيته نظرة واحدة شاملة، فلا نصفّق إعجاباً باللوحة إلا إذا كان راسمها فناناً مهذباً، ولا ترقصنا الأغنية إلا إذا مؤديها إنساناً رومانسياً، ولا نترنم بالقصيدة إلا إذا صاحبها يفعل ما يقول ويقول ما يفعل؟

لبعض الوقت كنت لا أفرّق، كنت أعشق صوت الفنانة أصالة، لكنني أخذت أبتعد عنها كلما حضرت لها لقاء واكتشفت جوانب لا تعجبني فيها. وكنت أستمع إلى المطربة أنغام، لكنها سقطت من عيني حين عرفت أنها تخوض معارك إعلامية ضد والدها الموسيقار. ويعجبني صوت الفنانة أحلام لكنني لا أحب الاستماع إليها لأن شخصيتها لا تروق لي. وأصبحت أهز رأسي أسفاً كلما رأيت قصيدة منشورة لأحد الشعراء، وكنت قبل ذلك أحرص على قراءته. صرت أفعل ذلك حين جمعتنا جلسة مشتركة ولاحظت أنه يتعمد أن يرفع صوته كلما مرّت فتاة. 

في المقابل، أظل مبتسماً طيلة الحوارات القليلة التي يكون طرفها الفنان الكبير أبوبكر سالم، وكذلك خالد عبدالرحمن الذي برغم صوته العادي وأغانيه المتشابهة إلا أنني أستمع إليها لأنه يبدو لي إنساناً هادئاً ومحترماً. حتى شعبولا الذي لا أحب أن أضيع وقتي معه، فإنني أتمنى له المزيد من النجاح لأنه لم ينسَ أهله وجيرانه و"المكوجيين" من زملاءه السابقين.   


يقول الكاتب سمير عطا الله إن الممثل الأميركي مارلون براندو كان في زمنه أهم ممثل في هوليوود ومثّل في أجمل وأبقى أفلامها كفيلم "العرّاب"، ثم يسرد نتفاً من حياته الشخصية المليئة بالفظاظة والسلوك الرديء التي امتلئت بها الكتب التي صدرت بعد وفاته، فقد اعتدى رحمه الله على إحدى بنات زوجاته وكانت قاصراً، وكان كذاباً لا يفي بوعد ويتعمد إيذاء أصدقائه ويهمل أولاده لدرجة أن إحدى بناته انتحرت، وحين شاخ وترهل جسمه كان يقضي حاجته أمام زواره. ثم يتساءل الكاتب: لست أدري إن كان في إمكاني بعد الآن أن أشاهد فيلماً من أفلام براندو وأن أفصل بين الشاشة والحقيقة؟

وفي كتابه "أبي شوقي" يتحدث ابن أمير الشعراء حسين أحمد شوقي عن حياة والده، وبرغم أن سيرة الوالد على لسان الولد ليس فيها ما يشين إلا أن الولد يعترف بأن والده الشاعر الكبير كان أنانياً بشدة، حتى مع أولاده، وكان بوهيمي النزعة إلى حد بعيد.  

جاء نزار قباني وختم على قلبي بعدم التفريق بين المبدع وإبداعه، فقد كتب مرة يقول: لا يهم أن يكتب الشاعر شعراً جميلاً، بل المهم أن يكون هو جميلاً. ولا يهم أن يطلق عليه لقب الشاعر الكبير، بل المهم أن يكون هو كبيراً. ولا يهم أن يكتب على ورق أبيض، إذا كانت نفسه سوداء. وأخيراً لا يهم أن يلبس قناع الإنسانية، إذا لم يكن في أعماقه إنساناً، وشعره لا يشبه كتابته. وما أكثر الشعراء الذين يرفرفون على أوراقهم كالفراشات، ويتصرفون في المقاهي كالزنابير.. فالقصيدة جزء لا يتجزأ من صانعها، ولا يمكنني أن أتصور شجرة ياسمين طالعة من منجم.

المشكلة أن عدم التفريق يعني أن تتوقف عن الاستمتاع بأي فن، فلا أحد يخلو من الرداءة على أي حال.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01