search
إصدارات
ارتباطات
أصحاب المنابر العالية
6/12/2010
 

يبدو أن بعض الفتاوى تصدر من فوق منابر عالية وعن أشخاص يشعرون بنوع من التعالي، فهم يتصورون أنفسهم قادة الأمة وأولي الألباب وورثة الأنبياء وحجج الله على خلقه، وهم وحدهم الذين لا يُسألون عما يقولون، لأن لحومهم مسمومة، وأحدهم تجرّأ بالقول إن الراد على الفقيه (أي على سماحته شخصياً) كالراد على الإمام، والراد على الإمام كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله (!).

وفي بعض المذاهب يموت المرء ميتة جاهيلة إن لم يقلّدهم، وأحدهم جهّز أبناءه فور ولادتهم ليرثوا منصبه الديني كما يورّث الناس الذهب والفضة، إذ استوحى اسم اثنين منهما من معاني الاقتداء والأمل بهما.  

ويعتقد هؤلاء أن العلم الذي يحفظونه ويرددونه هو أشرف العلوم قاطبة، على الرغم من أنهم في الأغلب لا يأتون بشيء جديد، وإنما تعليق على حواشي أو تعليق على تعليق، وكان أسلافهم يحتقرون بقية العلوم ويعدونها من اللغو الذي لا طائل منه.

لذلك يقال إن الكتب التي وضعت في مذهب واحد من المذاهب الإسلامية تفوق كل الكتب التي وضعت في جميع العلوم الأخرى. ولذلك أيضاً، فإن العلماء الحقيقيين الذين نتغنى بهم اليوم كابن سينا والفارابي وابن رشد، كانوا في نظر علماء الشريعة آنذاك مجرد زنادقة ومارقين، تُحرق كتبهم ويؤلّب الناس عليهم.

وحين سُئل أحد كبار فقهاء أحد المذاهب الإسلامية عن الاقتصاد، بعد أن استولى على الحكم في بلاده، قال باستخفاف: الاقتصاد للحمير. علماً بأنه حتى الحمار يحتاج إلى اقتصاد في تقدير ثمنه وحساب قيمة علفه وما يجنيه صاحبه من مال في استخدامه كوسيلة نقل. وحين سُئل الفقيه نفسه عن التضخّم وارتفاع أسعار المواد الغذائية، قال بتكبّر وخفة لا يُحتملان: نحن جئنا لإقامة الحكومة الإسلامية وليس لمراقبة أسعار البطيخ.

ويقترن التعالي على الناس بإصدار الفتاوى من فوق المنابر العالية التي لا يمكن أن يرى الواقفين عليها ما يحدث على أرض الواقع، وليس بمقدورهم ملامسة هموم ومشكلات الناس، لذلك تصدر فتاوى منهم بتحريم بعض المهن الشريفة، كالفتوى الأخيرة بتحريم عمل المرأة بمهنة "كاشير" من دون الإكتراث بملايين المسلمات المحتاجات والعاطلات عن العمل وغير المتزوجات.

وكلمة "عمل" لا تلتقي مع كلمة "فقيه" من الأساس، لأن فاقد الشيء لا يشعر به ولا يعرف قيمته، إذ إصدار الفتاوى ليس عملاً، وإمامة الناس ليست عملاً، وإلقاء الخطب ليس عملاً، وإنما هي وظيفة من اختراع سلاطين الجور لضمان التحكّم في توجهات الناس. وإذا كانت الحاجة قد استدعت إلى وجود رجال دين محترفين في زماننا هذا، فإن الحاجة أيضاً تستدعي التخصص في الاقتصاد وعمل النساء بأي مهنة شريفة. 

ولعل من أسباب إصدار بعضهم فتاوى مضحكة كإرضاع الكبير وقتل "ميكي ماوس" هي حالة فراغ البال التي ينعمون بها، أي الذين ينطبق عليهم الوصف المحلي "لا شغلة ولا مشغلة".  

ومن صور استخفافهم بالعمل فتوى أحدهم بعدم قبول شهادة الجزّار إذا بقي على ملابسه أو جسده شيء من الدم والنجاسة، كأنّ الجزار سيذهب إلى المحكمة وهو يحمل على كتفه ذبيحة، وكذلك عدم قبول شهادة مربي الحمام إذا كان القصد من تربية الحمام التلهي والتسلية، لأنها تعد من خوارم المروءة، ومن ثم تسقط عدالته، ولا تُقبل شهادته. وبالقياس فإن مروءات ملايين المسلمين "مخرومة" لأنهم يربّون الطيور والدواب بقصد التلهي والمشاركة في السباقات.

وأضاف بعضهم مهنة الزبّال والحجّام، فلا تقبل شهادتهما لأنهما يمتهنان مهناً وضيعة، حسب مفهوم هؤلاء للشرف والوضاعة. وفي أحاديثهم وقصصهم التي يروونها هناك احتقار للكثير من المهن الشريفة، كاحتقار البقّالين والطبّاخين والخبّازين، والناس في نظرهم مجرد "عوام".  

الفتاوى العجيبة التي تصدر من بعض شيوخ الدين تنمّ عن تعالي على الناس واستخفاف بقيمة العمل الشريف، خصوصاً أن الذين يتصدون للفتوى هم في الأغلب أشخاص يعيشون في بحبوحة وسعة من العيش، وبعضهم من أصحاب الملايين، ولهم صلات مع علية القوم، ولهم نفوذ في كل مكان، ولا يتعرض أبناؤهم بالبداهة لأية صعوبات في مشوارهم العلمي أو العملي، فأبناء المراجع الكبار لا يضطرون لشراء البطيخ، وبنات العلماء الكبار لسن في حاجة للعمل في مهنة "الكاشير".

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01