search
إصدارات
ارتباطات
نرى الغرب لأنه يتكلم
1/12/2010

حرية الرأي في الغرب فتحت المجال أمام شرطية فرنسية من أصل تونسي لتؤلف كتاباً تفضح فيه الممارسات العنصرية لشرطة الحدود في مطار فرنسي، بعد أن عملت المؤلفة في المطار أربع سنوات وسمعت الفرنسيين يطلقون عبارات ساخرة بحق العرب والسود.

ونحن حين نسمع بذلك الكتاب نزداد ثقة بأنفسنا، لأننا لسنا عنصريين ولا نكره الآخرين، وإنما العنصرية تضرب بجذورها في الأرض الأوروبية، وهناك فقط تنمو شجرة العنصرية.

لكن الواقع هو أنه لو كانت البلاد العربية والإسلامية تكفل حرية التعبير، لرأينا العجب العجاب وألف كتاب وكتاب عن عنصريتنا التي لا نعرف عنها شيئاً لأن أحداً لا يكتب عنها ولا يجرؤ على فعل ذلك.

ولحسن حظ الفرنسيين أن فضيحة عنصرية طالت مؤخراً فندقاً فاخراً في دولة إسلامية هي المالديف، فقد سعى سائحان سويسريان إلى تجديد قرانهما بإقامة حفل في الفندق، وتولى مسؤول في الفندق مراسم تجديد القران وأخذ يصفهما باللغة الديفيهية التي لا يفهمها السائحان، بأنهما كافرين وأن أحدهما خنزير.  

وهذه الحرية نفسها تفسح الطريق أمام الغربي كي يعبّر عن نزعاته وعنصريته وأفكاره الشاذة، بل يكفل الدستور الأميركي حرية الإساءة إلى الآخرين، فتطفو هذه الأمراض وتتداولها وسائل الإعلام في العالم وتُترجم بكل اللغات الحية، أو تتحول إلى أفلام سينمائية، وتصل إلينا ونعرف من خلالها مدى الأمراض المعششة في صدور الغربيين.

بينما ما يحيك في صدورنا من آثام، وما يحوم حول رؤوسنا من خزعبلات، تظل في مكانها تدور ولا تخرج إلا في الجلسات الخاصة أو في صفحات الإنترنت وبأسماء مستعارة ووهمية. ثم نقعد معاً نتغنى بأخلاقنا الفاضلة وبالأفضلية على البشر أجمعين.

وحق تداول المعلومة وضمان الوصول إليها تتيح لوسائل الإعلام الغربية اختراق حصون مؤسسات الدول والدخول إلى عقر دارها ثم نشر ما تجده أمامها على الملأ، لذلك نسمع عن رؤساء يقيمون علاقات غير شرعية، وعن وزراء يسقطون نتيجة فضائح مالية، وشركات تتاجر بصحة الناس، وكنائس تمارس فيها الشذوذ الجنسي على نطاق واسع.

بينما في دول العالم الثالث الأمور على ما يرام، ليس لأنها على ما يرام فعلاً بل لأن الشفافية معدومة تماماً، ومبدأ الإفصاح لا وجود له، ودفن المعلومة إلى الأبد يعد من أساسيات الولاء المؤسسي، وكل المعلومات تصنّف على أنها على درجة كبيرة من الأهمية بحيث أن تسريبها سيضر بالأمن القومي ويهدد السلم الاجتماعي، ويأتي مبدأ عفا الله عما سلف ليضيف أسلاك شائكة حول المعلومة، ناهيكم عن الثواب الأخروي الذي يعقب حجب المعلومة، لأن الله يحب الستّارين.

وتنشر صحفنا بين الحين والآخر نتائج اختبارات الثقافة العامة التي تجرى في الغرب، ولا نستطيع أن نحبس ضحكاتنا ونحن نرى الفقر الثقافي المدقع الذي يعاني منه الغرب، وضحالة المعرفة عندهم، وغبائهم اللامحدود، وهو الغباء نفسه الذي أوصلهم إلى قمة الحضارة بلا منافس.    

ولو كانت عندنا حرية البحث العلمي، ولو كانت لدينا مؤسسات تعنى بقياس الثقافة، لتوقفنا فوراً عن الضحك وبدأنا نفكّر جدياً في تغيير حياتنا الثقافية إلى الأفضل. لكننا لا نفعل ذلك لأننا في وفق كل المقاييس أفضل من غيرنا.

قال أرسطو: "تكلّم كي أراك"، ونحن نرى الغرب على حقيقته لأنه يتكلم ويفصح وينشر، ولا نرى أنفسنا لأن "السكوت من ذهب".

Share |
|
|
|
محمد قرط
24/12/2010 02:21 AM
يظل السكوت من ذهب .. يقول الله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، وكان الله سميعا عليما} .. إذن سكوتنا عن السوء من ذهب، لأن الله يحبه، ولهذا نحن لا نفضح أنفسنا، ولا نفضح رؤساءنا، لأن الله تعالى لا يحب ذلك .. أعلم جيدا أن المقالة تسلط ضوءها على "الحرية"، لا على "الفضائح"، لكنها كانت مجرد مداخلة بسيطة، حتى نضع الحروف على النقاط في ما تمت كتابته في بداية المقال.. وأما عن الحرية، فالإسلام دين الحرية، ولكن للحرية تعريف خاص، يختلف كل الاختلاف عن ذلك التعريف الذي تنتهجه الحيوانات.. حرية الإسلام لها ضوابط وشرائع يتقبلها العقل السليم، والغرب يفهم معنى كلمة الحرية فهماً خاطئا، لذلك فهم يتخبطون هنا وهناك، في أمورهم المختلفة فيما بينهم، فلا تقوم لهم أسرة ولا دولة، وأما في الإسلام فإن حريتنا المعقولة تمنعنا من أن نعلن للعالم كله عن فضائحنا، لكن عيبنا الكبير أننا قبليُّون، لم نتخلَّ بعد عن التعصب القبلي، وهذا يشتت بنا أيما شتات، ويجعلنا نحارب بعضنا البعض، ولذلك نمشي الهوينا نحو الأمام.. وأما عن جمودنا العلمي، وتوقف حضارتنا عن التقدم، واعتمادنا الأعمى في ذلك كله على الغرب، فسببه ــ برأيي الشخصي ــ ليس قمع الحريات، ولكن السبب يكمن في خوف الجهات المسئولة من مواجهة الفشل، فهم يتهيبون صعود الجبال، ولذلك عاشوا تحت الحفر.. إن كنت تفتقد الجرأة، فلن تستطيع يوما أن تتقدم خطوة إلى الأمام، ونحن حالنا اليوم حالةُ خائفٍ من أي مشروع.. هناك مبدأ تسير عليه الأمة العربية، وهو أن أي مشروع، يجب أن ينجح لدى الآخرين، ثم لنقم بإجرائه بعد ذلك، وإلا فلن نخطو نحوه خطوة واحدة.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01