search
إصدارات
ارتباطات
الأقليات.. جذور وأغصان
6/12/2010

لا أعرف كيف تقع شخصية مثل شخصية أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي، البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو، في مغالطة واضحة أثناء حديثه عن الدعوات الأوروبية التي تتصاعد هذه الأيام بضرورة دمج المسلمين الذين يعيشون بينهم في مجتمعاتهم، إذ صرّح لوكالة الصحافة الفرنسية قائلاً: "إذا كانت أوروبا والغرب يدافعان عن حقوق الأقليات في العالم بأسره، والعالم الإسلامي تحديداً، فلماذا يتحدثون عن اندماج عندما يتعلق الأمر بأوروبا.. هذا يُظهر مجدداً مبدأ الكيل بمكيالين".

ولا أتحدث هنا عن الدعوات الأوروبية التي كان آخرها دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لضرورة اندماج المهاجرين في المجتمع الألماني، والقبول بثقافة واحدة مهيمنة هي الثقافة الألمانية، بعد أن أقرّت أنجيلا ميركل بفشل التعددية، ولا عن حقوق الأقليات في العالم الإسلامي التي يزعم بعضهم أنها مهدورة، ويؤكد بعضهم الآخر أنها مصانة، وإنما في أصل تسمية الأشياء، فمن دون تسمية الأشياء بأسمائها لا يمكن الجلوس على طاولة النقاش وفتح أي نوع من أنواع الحوار والتفاهم. إذ بسبب عدم تسمية الأشياء بأسمائها انبرى بعضهم للرد على المستشارة الألمانية وتشبيه طرحها بالطرح النازي العنصري.

وتبدو مغالطة الدكتور إحسان أوغلو في أن الأقليات في العالم الإسلامي، أعني الأقليات الدينية تحديداً، تماشياً مع سياق الحديث، كالأقباط في مصر، والمسيحيين في العراق، واليهود في اليمن، والبهائيين في إيران، هم في الحقيقة مواطنون في بلدانهم أباً عن جد، وجيلاً بعد جيل، بل إن أغلب الأقليات في العالم الإسلامي في الحقيقة هي الفئات التي بقيت على دينها ولم تتحوّل إلى الإسلام، إذ أن وجودها سابق على ظهور الإسلام نفسه.

والأقليات الدينية في العالم الإسلامي ليسوا مجرد مهاجرين أو هاربين أو عمال كانوا يبحثون عن الرزق في البلاد الإسلامية ثم طاب لهم المقام فيها وتناسلوا وحصلوا على جنسيتها. بل هم جزء أصيل ولا يتجزء من مكونات شعوبهم، ولديهم من الانتماء لأوطانهم ما لا يشكك به إلا المكابرون. 
 
بل إن مقارنة إحسان أوغلو تعطي الانطباع بأن دول العالم الإسلامي فعلاً لا تعطي الأقليات الدينية حقوقها، بدليل أن أمين عام المنظمة التي ينضوون تحتها يقارنهم بالأقليات الإسلامية المهاجرة والتي ذهبت إلى أوروبا للعمل قبل عقود قليلة ثم بقيت هناك.

فأوغلو في مقارنته الخاطئة يساوي بين المصري القبطي، والعراقي المسيحي، واليهودي اليمني، وبين المهاجر التركي الذي أصبح ألمانياً، والعامل الباكستاني الذي أصبح بريطانياً، والمغاربي الهارب من بلاده الذي أصبح بلجيكياً.

ومن أوجه خطأ هذه المقارنة أن العراقي المسيحي مثلاً لم يتزحزح من موطنه من الأساس، ولم يدخل العراق بعد أن أصبح العراق بلداً إسلامياً، بل أسلافه كانوا في العراق قبل أن يدخل الإسلام إلى العراق، ثم إنه في كل الأحوال ينتمي إلى الثقافة العراقية، ويتحدث اللغة العربية، ويفكر كما يفكر أخوه العراقي المسلم، والأهم أنه يتفاعل ويؤثر ويتأثر.

بينما التركي المسلم هاجر إلى ألمانيا المسيحية وهو يدرك أنه يدخل بلداً يدين شعبه بديانة تختلف عن ديانته، ويتحدث لغة تختلف عن لغته، ويفكر بطريقة تختلف عن طريقة تفكيره ونظرته للأمور، وينتمي إلى ثقافة تختلف وتتعارض في أكثر الأحيان مع ثقافته، وفوق هذا تعيش الأقليات الإسلامية في أوروبا في مجتمعات خاصة بها وفي الأغلب لا تتفاعل ولا تؤثر ولا تتأثر، بل إن بعض أفرادها لا يحاولون حتى تعلم اللغة الرسمية للبلاد.

ففي الحالة الأولى الأقلية لم تختر بمحض إرادتها أن تصبح أقلية، بينما في الحالة الثانية الأقلية هي التي اختارت لنفسها هذه الحالة، ورضيت بالعيش على هامش المجتمع حماية لنفسها من الذوبان في الأغلبية. ومقارنة الحالتين كمثل المقارنة بين جذور الشجرة وبين أغصانها، وهي مقارنة ليس فيها أي إنصاف.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01