search
إصدارات
ارتباطات
شمّه ليست سوى خاتون (مقامة)
8/11/2007

بعد أن تكاثرت العوانس، وانقرضت العرائس، وأصاب البلد نقصاً في العدد، قرر الآباء إنشاء مجلس للزواج، لتقويم هذا الاعوجاج، ووضعوا الخطط والبرامج، والدروس والمناهج، واختاروا محاضرين لذلك، بعضهم متخصص والآخر "مشي حالك"، ووزعوا الكتيبات، ووضعوا الملصقات، وتبرعوا لجمع رأس المال، ودفعوه دون قيل أو قال، فالكل صار مؤمناً بأن المجلس هو الخلاص، بعد أن فاض الماء من "القلاص".

عقد الآباء اجتماعهم الأول، وكان ساخناً كأنه مرجل، وعددوا الأسباب، وفتحوا الأبواب، واعترفوا بأنهم أس المشكلة، ورأس المسألة، ومخ المعضلة، وعين البلبلة، وكحل المكحلة، وأنهم السبب في تفاقم الظاهرة، وأنهم أكثر الأطراف الخاسرة.

لكنهم توقفوا عند الحل الذي ينهي هذا الذل، وبعد مداولات وأبحاث، وقضم للأظافر والأثاث، توصلوا إلى الحل المناسب، وهو التنازل عن المطالب، وعدم الالتفات إلى الفوارق، والأخذ بالأسباب والحقائق، وقالوا لا تتركوا قول رسولكم بل اتبعوه، إذا أتاكم من ترضون دينه فزوّجوه.

هنئوا بعضهم البعض، وتبادلوا القبلات والعض، وأحدهم رفس صاحبه من الفرحة، وآخر مزق ملابسه وجعلها طرحة، وثالث بكى حتى خرجت عيناه، ورابع طبّل حتى كسرت يُمناه، وخامس رقص حتى انخلع كتفه، وسادس غنى حتى لقي حتفه، ثم شربوا الشاي والعصائر، وتقاذفوا بالحصى والفطائر. ثم غنوا أغنية عبدالمجيد عبدالله:

حاول كده وجرّب وإنته على كيفك    قرّب ولا تعذّب راضي أنا بوجهك
اسمع ولو كلمـة عندي أنا بنيّه    تتعنّى بالآهه بالروحه والجيّه
حاول كده وجرّب
وينك بعد عمـري تْفكني من بنتي   همٍ على صدري ليتكْ ولا كنتِ
اسمع ولو كلمة عندي أنا بنيّه    تتعنّى بالآهه بالروحه والجيّه
حاول كده وجرّب

لكن أحدهم أبدى معارضة، وقال إن لديه ملاحظة، فكيف تُزوّج الفتاة السمينة بالشاب الغث، وطلب منهم المناقشة والبحث. ثم ضرب مثالاً، جعلها على وجوههم نعالاً، فقال: أن أعطي ابنتي للمواطن المجنون خير لي من رميها للعاقل البدون، فكيف نذيب هذا الفارق، ونزيل الجبل الشاهق؟
 
قال آخر: وأنا كذلك لن ألقي نفسي في المهالك، فخير لي أن أزوّجها للغني الشرير من أن أزوجها للطيب الفقير. وقال ثالث: أما أنا فأزوجها للجنين أفضل من تزويجها للعنين. وأعلن رابع: والله لأعطيها للشيخ الميت في قبره، ولا أعطيها للشاب في أول عمره. وقرر خامس: أقسم أنني لن أعطيها لرجل شيعي، وأفضل عليه حتى الرجل "الصيعي". فضرب أحدهم على صدره، واتبعها بضربة على ظهره: أما أنا فأهديها هدية للجني، خير لي من تزويجها بالسُني.

وحذر سابع وهو يهز عصاه، ويأكل بلحاً ويرمي نواه: لو شبّر صوبها غير أبناء القبائل، لأضربنه بالعصا والسلاسل. ونبّه ثامن وهو يرفع سرواله، ويضع دفتر أعماله: لو تقدم لها أحد أصحاب النوق والفناجين، لأقطعنّه وأمه بالسكاكين. وأضاف تاسع: وأنا أعطيها للصرصور، ولا أعطيها للموظف "الطرطور". وقال تاسع وتسعون: لا أعطيها لمن لا يسكنها قصراً، حتى لو مكثت عندي دهراً.
 
وأوضح عشرون بعد المائة: إذا كانت أمه تسعى لتمثيل دور الحماة، فلا أعطيه حتى يضربها وتخرج من الحياة. وقال آخر: أشترط فيه الجمال والبياض، ولن أرضى بأصحاب الأنوف العراض. وطلب آخر: المهر لا يقل عن نصف مليون درهم، فلا يقترب مني الفقير والمُعدم. وأعلن آخر: لا أقبل دون عشرة ليالٍ ملاح، ومن لا يقدر فليكف عن الطلب والنباح. واشترط آخر: لا يخرجها إلى العمل، ولا يأمرها بالطبخ والبصل.
 
وقال آخر: أشترط حريتها بين العمل أو النوم في البيت، والمهم أن لا تضع يدها في الزيت. وأوضح آخر: الخدم والحشم مهمان، وبدونهما يعتبر الزوج حيوان. وقال آخر: إذا لم يبهرنا باسم عائلته، فليتركنا ويأخذ ابنة خالته. ونبّه آخر: لا نريده خفيفاً يطير مع الرياح، ولا ثقيلاً شخيره كأنه نواح. وقرر آخر: لا أزوج الصغيرة حتى تموت الكبيرة. وأشترط آخر: لا يسكنها مع أمه الملعونة، أو أخته المجنونة.
 
وطلب آخر: مهرها سيارة، ومؤخرها "طيّارة". وأعلن آخر: لا أريده طويلاً كأنه نخلة، ولا قصيراً كأنه بلحة. وحذّر آخر: أصحاب الشيشة والسجائر ممنوعين من الاقتراب، لأنهم أشبه بالقرود وأبناء الكلاب. وقرر آخر: لا أقبل بمن سيرث من أهله السكري وضغط الدم، أما "سارس" والطاعون فلا يهم. وقال آخر: رائحة فمه مهمة جداً، فبه يعرف الرجل من أي معدن. وتهكم آخر: أصحاب التجنيس، كفاكم تدليس، لا تخدعوني بأنكم بحكم القانون، فأمكم "شمّه" ليست سوى "خاتون".
 
وتمنى آخر: أريده "مطوعاً" لا يخاف في الله لومة لائم، وحبذا لو كان من أهل اللحى والعمائم. وقرر آخر: لا أعطيها إلا لذوي الأفكار السائدة، وأرفض المتأثرون بتنظيم القاعدة. وقال آخر: من كان اسم أمه "كنيز"، وتأكل الحلوى وتقول عنه "لزيز"، سأسومه سوء العذاب، وأقتل أمه وأرميها لحماً للكلاب. 
 
وبعد أن نشب الصراع، قرروا فضّ الاجتماع، وإلغاء باقي البنود، واتهموا بعضهم البعض بأنهم يهود، وتلاعنوا كثيراً، وتشاتموا طويلاً، وتقاذفوا بالنعل، وتضاربوا "بالعِقل".  
 
حينما رجع الآباء إلى البيوت، لاحظوا الحزن والسكوت، وراحوا يعدون بناتهم، فأفاقوا من سباتهم، وعادوا إلى المجلس مرة أخرى، وشربوا الشاي وأكلوا الحلوى، ثم فكروا في الفوارق التي تضرب في الرؤوس كأنها مطارق. ولا زال الآباء يفكرون، ولم يصلوا إلى حلٍ ولا هم يحزنون. 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01