search
إصدارات
ارتباطات
هل كانت حركة الحسين ثورة؟
8/12/2010

 
 
في مثل هذه الأيام من سنة 61 للهجرة، كان الإمام الحسين بن علي صريعاً على أرض كربلاء مقطوع الرأس وحوله أولاده وأهل بيته وأصحابه صرعى. وعلى الرغم من مضي 1370 عاماً على الواقعة، إلا أنها لا تزال تلهب مشاعر المسلمين من جميع الطوائف وتغشي قلوبهم بالحزن كأنها وقعت أمام أعينهم بالأمس.
 
وقد أشبعت الواقعة تحليلاً وتعليلاً، لكن الحاجة ملحّة للتمعن في قضية تعد مُسلمة غير قابلة للجدل، وهي اعتبار خروج الحسين إلى الكوفة "ثورة" على الحكم، ومن ثم اتخاذها حجّة للانقلاب على الحكومات القائمة، حتى أصبحت راية الحسين مثل قميص عثمان.

ففي أدبيات الإسلام اليساري والثوري لا تكاد تذكر كلمة "ثورة" إلا وتعقبها اسم الحسين.. حتى اعتبروا "ثورته" الثورة الأم لكل ثورة جاءت بعدها. يقول الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية": ".. إباءً للضيم، واستنكافاً من الخنوع لولاية يزيد وملكه، قام الحسين بثورته التأريخية، ودعا المسلمين جميعاً إلى مثل ذلك".

فالقضية المطروحة هنا ليست قضية الخروج على الحاكم الظالم وأقوال العلماء فيها ما بين مُوجب للخروج أو مُجوّز له أو مُحرّم، وإنما في طرح السؤال التالي: هل كانت حركة الإمام الحسين ثورة؟ علماً بأن كلمة "ثورة" التي أُلصقت بخروج الحسين، لم يستخدمها القرآن ولم ترد في السُنة النبوية ولا في خطب الحسين نفسه.

والغرض من النبش في هذا الموضوع يهدف إلى تسمية الأشياء بمسمياتها، فشتان بين أن نقول إن الحسين قائد ثورة سعت إلى الإطاحة بالحكم، مهما كانت درجة سوء هذا الحكم، وبين أن نقول إن الحسين رجل حر أبى الرضوخ لخليفة طاغية ولم يشهر السلاح إلا بعد أن حُوصر من جميع الاتجاهات.   
بداية، الحسين سليل أسرة ذاقت المرّ في سبيل الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الاقتتال الداخلي. فجده لأبيه، أبو طالب، حاصرته قريش ومعه رسول الله وأم المؤمنين خديجة وسائر بني هاشم ومَن آمن مِن الناس، مدة ثلاث سنوات بين جبلين في مكة، لا يبايعونهم ولا يناكحونهم ولا يعاملونهم حتى يسلّموا رسول الله ليقتلوه. ولم يفكّ الحصار سيف أو ثورة، وإنما حشرة الأرضة التي أكلت صحيفة المقاطعة.

ولم يكن هذا موقف ضعف وخنوع، فبنو هاشم عُرفوا بالقوة والشجاعة، ولو لم يكونوا كذلك لما فكّرت قريش في حيلة قتل الرسول ليلة الهجرة بسيف من كل فخذ فيها ليضيع دمه بينهم.
 
أما جده لأمه، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تحمّل الأذى والاضطهاد 13 عاماً في مكة، وحين أُعلم بخطة قتله، هاجر إلى يثرب، ومنها، قاتل عليه السلام إما صداً لعدو أو تأديباً له. وما كان فتح مكة ليحدث لو لم تنقض قريش صلح الحديبية، فحاصر المسلمون مكة وأشعلوا النار في الصحراء، فدخل الرعب في قلوب أهلها وجرى الفتح بسلام.  
 
ولا يخرج أباه علي عن هذا، فقد ردّ على أبو سفيان حين عرض عليه التدخل العسكري بعد مبايعة الناس أبا بكر، على الرغم من أنه كان يرى نفسه الأحقّ بالأمر، وظلّ يعمل للخلفاء الثلاث وينصح لهم. وكانت حروبه في الجمل وصفين والنهروان دفاعية أو عقوبة للمفسدين والمخرّبين، فموقعه خليفة للمسلمين يفرض عليه اللجوء إلى القوة أحياناً.

أما أخوه الحسن، فهو مثلٌ أعلى للسلم والحرص على وحدة الأمة حين تنازل عن الأمر لمعاوية. يروي أبو نعيم في "حلية الأولياء" أنه قيل للحسن: "إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة؟ فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون مَن حاربت، ويسالمون مَن سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد".
 
وحين دخل عليه الحسين وهو يجود بنفسه بعد أن سُمّ، قال له، كما يروي أبو نعيم: "يا أخي مَن تتهم؟ قال: لم، لتقتله؟ قال: نعم، قال: إن يكن الذي أظن فالله أشد بأساً وأشد تنكيلاً، وإلا يكن، فما أحبُ أن يقتل بي بريء".

وامتد اللا عنف إلى أبناء الحسين وسلالته، فعلي زين العابدين الذي رأى ما حلّ بأبيه وأهله في كربلاء، لم يكن له يد في ثورة التوّابين، ولا في ثورة المختار التي أمعنت القتل في قتلة الحسين مستغلة ذلك لاستمالة أهل الكوفة والتغلّب بهم على أهل الشام لصالح خلافة ابن الزبير.
ويروي المسعودي في "مروج الذهب" أنه بعد أن استتب الأمر للمختار خلع بيعة ابن الزبير، لخلاف بينهما، وكتب إلى زين العابدين يبايعه ويقول بإمامته وأنفذ إليه مالاً كثيراً، فأبى أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه، وسبّه على رؤوس الملأ في مسجد النبي.

ويُستثنى من التاريخ المسالم لهذه العائلة الشريفة، زيد بن علي، حفيد الحسين، الذي خرج على هشام بن عبدالملك رفعاً لظلم وقع عليه شخصياً بادعاء استيلائه على وديعة لأحد أعوان الخليفة.

وليس هناك ما يشير إلى أن أخوه محمد الباقر، الذي هو الإمام الخامس من أئمة الشيعة الاثنى عشر، أفتى بجواز خروجه أو دعمه في ذلك، لكن الثابت، حسب الزمخشري في "الكشاف" أن أبو حنيفة أفتى بوجوب الخروج مع زيد وحَمَلَ المال إليه، ومثله قال أبو الفرج الأصبهاني في "مقاتل الطالبيين"، بل إنه أفرد باباً في "مَن خرج مع زيد بن علي مِن أهل العلم".
 
وليس في التاريخ ما يشير إلى أن أئمة أهل البيت، أفتوا بجواز الخروج على الحكّام الذين عاصروهم، وكان بعضهم لا يقلّ ظلماً عن يزيد، كالمنصور الذي أفتى أبو حنيفة بالخروج عليه، كما يروي السيوطي في "تاريخ الخلفاء"، وأن مالك أفتى بجواز الخروج مع محمد وإبراهيم، وهما من نسل الحسن، على المنصور وخلع بيعته، بينما لم يفتي بذلك الإمام جعفر الصادق الذي عاصر المنصور ويقال إنه سمّه!

بل إن هؤلاء الأئمة عاشوا في عواصم الخلافة الإسلامية وحواضرها وأغلبهم مدفون فيها كالمدينة وسامراء وطوس، عاصمة المأمون الذي عيّن علي بن موسى الرضا (ثامن أئمة الشيعة) ولياً للعهد.

هذا بشأن سلف الحسين وخلفه، فماذا عنه؟ من المعروف أن الحسين كان آنذاك في العقد السادس من العمر، وهي مرحلة لا اندفاع فيها أو استعجال، فكيف إذا كان صاحبها قد نشأ في كنف النبوة والحكمة؟ هذا فضلاً على أن الحكم الأموي استعجل الأمر، فليس بين امتناع الحسين عن البيعة وتصفيته سوى 175 يوماً. وهي فترة قصيرة في حسابات ذلك الزمن.

وتروي كتب التاريخ أنه حين شعر معاوية بدنو أجله، أتى الحجاز واجتمع بوجوه الناس وفيهم الحسين يدعوهم لبيعة يزيد، فأبوا، فغضب معاوية وخرج بهم إلى المسجد وأقام على رأس كل واحد منهم رجلين يحمل كل منهما سيفاً، وخطب في الناس يقول إن هؤلاء سادة المسلمين قد بايعوا يزيد فبايعوه، فبايع الناس!
 
وبقيت الأمور معلّقة إلى أن قضى معاوية، فيروي ابن الأثير في "تاريخ الرسل والملوك" أن يزيد كتب إلى الوليد يقول: "أما بعد، فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة..".

أما اليعقوبي، فيروي في تاريخه أن الرسالة جاءت هكذا: "إذا أتاك كتابي هذا، فأحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام".
 
مضى الحسين، كما يروي ابن الأثير، إلى دار الوليد بعد أن أوقف رجالاً من أهله وأصحابه على الباب وقال لهم: "إني داخلٌ فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليّ بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم. ثم دخل ومروان عنده.. فدعاه الوليد إلى البيعة.. فقال: إن مثلي لا يبايع سراً ولا يجترأ بها مني سراً، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً.

فقال له الوليد، وكان يحبّ العافية: انصرف. فقال له مروان: لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه. فوثب عند ذلك الحسين وقال: ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت! ثم خرج حتى أتى منزله".

فالحسين، حتى هذه اللحظة، لم يفعل ما يوحي بأنه بصدد الثورة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يبايع يزيد وهو يعلم ما هو عليه حتى قال عنه ابن عمر، كما يروي اليعقوبي: "نبايع من يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر، ويظهر الفسوق! ما حجتنا عند الله". وقال ابن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد أفسد علينا ديننا".

ويتضح هنا أن الخيارات ضاقت على الحسين، ويقول عباس العقاد في كتابه "أبو الشهداء": "ولا مناص للحسين من خصلتين: هذه، أي البيعة، أو الخروج، لأنهم لن يتركوه بمعزل عن الأمر لا له ولا عليه".

ثم يوضّح موقف الحسين فيقول: "فما عسى أن تكون الشهادة له بالصلاح للإمامة إلا تغريراً بالناس وقناعة بالسلامة أو الأجر المبذول على هذا التغرير. ثم هي خطوة لا رجعة بعدها إذا أقدم عليها الحسين بما أثر عنه من الوفاء وصدق السريرة، فإذا بايع يزيد فقد وفى له بقية حياته كما وفى لمعاوية بما عاهده عليه، ولا سيما حين يبايع يزيد على علم بكل نقيصة فيه قد يتعلل بها المتعلل لنقض البيعة وانتحال أسباب الخروج".
ويقول طه حسين في كتابه "علي وبنوه": "وما أراه أبى عناداً أو ركوباً لرأسه، وإنما كان يعلم أن يزيد سيأخذه بالبيعة أخذاً عنيفاً، فإن بايع غشَّ نفسه وخان ضميره وخالف عن دينه، لأنه كان يرى بيعة يزيد إثماً، وإن لم يبايع صنع به يزيد ما يشاء".

فالقوم لم يتركوا خيارات بيد الحسين، ولو لم يرغموه على البيعة، لترك لهم الأمر، وهو أمر ما كان الحسين ليبتدعه، فابن الأثير يروي أن سعد بن عبادة امتنع عن بيعة أبو بكر الصديق، "فكان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم؛ فلم يزل كذلك حتى هلك".
 
ويروي أيضاً أن علياً تخلّف عن البيعة ستة أشهر، واخترط الزبير سيفه، ولم يبايعه أحد من بني هاشم إلا بعد أن بايعه علي بعد وفاة فاطمة. ومثل هذا حدث في خلافة علي بن أبي طالب نفسه، فلم يبايعه نفر من المهاجرين والأنصار، منهم سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، وحسّان بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن سلام، والمغيرة ابن شعبة، ويُروى أن الزبير لم يبايع.

لكن ما كان يزيد ليترك الحسين "لا له ولا عليه"، والحسين يعلم أنه مقتول في كل الأحوال ما دام لم يبايع، وليس أمامه سوى أن يحرص على ألا يذهب دمه هدراً. لذلك لم يكن منطقياً بقائه في المدينة ليغتال فيها أو يُقتل سراً كما قتل الحسن بالسمّ، ومن قبله قُتل ساعد أبيه الأيمن، مالك الأشتر، بالسمّ المذاف في العسل.

وفوق هذا، لم تعد المدينة آمنة بعد أن بايعت يزيد في أيام معاوية إما طوعاً أو كرهاً، والحكم الأموي، في كل الأحوال، لم يكن ليتوانى عن فعل أي شيء، بدليل أنه أباح المدينة ثلاثة أيام بعد واقعة كربلاء وطرد أهلها عامل يزيد عليها، فقتل جيشها، في واقعة "الحرة" ألف وسبعمائة من المهاجرين والأنصار ووجوه الناس وعشرة آلاف من الموالي سوى النساء والصبيان، وأخذوا البيعة ممن استبقوه على أنه عبدٌ لـ"أمير المؤمنين".

ثم زحف الجيش إلى مكة للقضاء على ابن الزبير الذي كان متحصناً بالبيت العتيق، فرموا البيت بالمنجنيق والنار. وفوق هذا وذاك، كيف يأمن الحسين على نفسه والسلطة تلعن أباه على المنابر وتطارد أشياعه، ولم يكن قد مضى إلا سنوات على مصرع حجر بن عدي ونفر من أصحابه لأنهم "خالفوا في لعن أبا تراب".
 
خرج الحسين إلى مكة ومعه أهل بيته وجماعة من بني هاشم، وهو يتلو قوله تعالى: "فخرج منها خائفاً يترقب"، وهي إشارة إلى الوضع الذي وجد الحسين نفسه فيه.

يقول عبدالحميد السحّار في كتابه "أهل بيت النبي": "وكان في مقدوره أن يخرج وحده فيسهل عليه الفرار من وجه أعوان يزيد، ولكنه خشي إن خرج وحيداً أن ينكل عامل يزيد بأهله وهم يعلم حقد بني أمية الموروث لبني هاشم".
 
ولم يمض على وجود الحسين في مكة إلا نحو شهر وإذ بكتب أهل الكوفة تصل إليه تستحثه القدوم و"العجل العجل" ليكون إماماً لهم بعد أن "أينعت الثمار"، وبلغ عدد من بايعوه على ذلك 18 ألف، بعد أن أكدوا أنهم لا يجتمعون مع عامل يزيد في صلاة جمعة أو عيد، وأنهم سيخرجونه إلى الشام إذا بلغهم إقبال الحسين عليهم. فبعث الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب يستطلع الأمر. 

وهنا نصحه ابن الزبير بالبقاء في الحجاز، لكن الحسين قال: "إن أبي حدّثني أن لها كبشاً به تستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش.. والله لئن أقتل خارجاً منها بشبر أحبَ إليّ من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجاً منها بشبرين أحبّ إليّ من أن أقتل خارجاً منها بشبر..". فعرض عليه البيعة، فأبى الحسين.

ويروي المؤرخين أن عبدالله بن الزبير كان يتمنى خروج الحسين لأن الحجاز "لا تعدل به أحداً"، أي بوجود الحسين لن يُقبل الناس على ابن الزبير ولن يلتفتوا إليه. 

ولم يكن أمام الحسين إلا قبول الخيار الكوفي مع خيار البقاء في الحجاز والتعرض للاغتيال حيث لا أنصار ولا أعوان، أو حتى الدعوة لنفسه بالاعتماد على أشخاص مثل عبدالله بن الزبير الذي كان من قبل أشدّ المحرّضين على أبيه علي، حيث يروي ابن الأثير في "أسد الغابة" أن ابن الزبير شهد الجمل مع أبيه الزبير بن العوّام مقاتلاً لعلي، فكان علي يقول: "ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ له عبدالله".
والكوفة، في أسوأ الأحوال، كانت عاصمة أبيه، وفيها قادة جنده وجيشه، وله فيها شيعة وأنصار أوفياء خُلص، كبرير وزهير والحلاس وابن الحرث وشوذب، وهم جميعاً استشهدوا بين يديه في كربلاء. ثم إنها المصر الوحيد الذي بعث له أهلها بكتبهم.

يوضح هذا المعنى السحّار فيقول: "فهم يدعونه إلى رشاد، وله في رسول الله أسوة، فما دعاه أهل يثرب حتى لبى الدعوة وخرج إليهم وانتصر بهم على الباطل والضلال".

ولو بقي الحسين في الحجاز واغتيل فيها وذهب دمه هدراً، لخرج اليوم من يقول إن الحسين أضاع فرصة ذهبية بعدم الالتفات إلى الكوفة حيث الأنصار والأشياع!

وواضح بعد هذا العرض أن الحسين كان يبحث عن مكان لا سلطة ليزيد فيه أو حتى مكان لا يُغتال فيه سراً ولم يكن يريد ثورة أو اقتتالاً داخلياً، وكتب لأخيه محمد بن الحنفية يقول: "وإني لم أخرج بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ على هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين".

خرج الحسين من مكة ومعه 82 من أهل بيته وأصحابه متوجهين إلى الكوفة بعد أن أتاه كتاب مسلم بن عقيل بمبايعة الناس. يقول العقاد: "وقد كان اصطحاب النساء والأبناء عادة عربية في البعوث التي يتصدى لها المرء متعمداً القتال دون غيره فضلاً عن البعوث التي قد تشتبك في القتال وقد تنتهي بسلام كبعثة الحسين".
 
وكان في هذه الأثناء قد قتل ابن عمه مسلم وتفرّق عنه الناس، وعلم الحسين بذلك بعد أن وصل مشارف الكوفة، فكلّمه بعض أصحابه يناشدونه الرجوع، لكن بنو عقيل وثبوا قائلين: "والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء".

ثم عرض الحسين الانصراف على من انضموا إليه في الطريق ممن ظنوا أن الأمور مستتبة له في الكوفة، وفعلاً تفرّقوا عنه وبقي أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة!
 
وتروي كتب التاريخ أن الحسين تفاوض ولأكثر من مرة، قبل بلوغ كربلاء، وفي كربلاء نفسها التي وصلها في الثاني من محرم، من أجل الحل السلمي، و"الثائر" لا يفاوض في مثل هذه المواقف، لكنهم أبوا إلا أخذ البيعة منه أو القتل.

وفي الساعات الأخيرة قبل الهجوم، جمع الحسين أصحابه وخطب فيهم وأثنى عليهم ثم قال: "ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإني قد أذنت لكم جميعاً فانطلقوا في حلٍّ ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً، ثم تفرّقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم يطلبونني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري".
 
ولم تزد كلمات الحسين في أصحابه إلا تمسكاً به ورغبة في الشهادة بين يديه. وحين بدأ القوم بالهجوم على معسكر الحسين، عصر يوم التاسع من محرم، طلب الحسين تأخير الحرب يوماً واحداً، لربما يعود القوم إلى رشدهم.

وفي اليوم التالي، عرض عليهم السلام من جديد، لكن سهماً أطلقه ابن سعد صوب معسكر الحسين وهو يقول: "اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى"، قطع الطريق نحو السلام. فاضطر الحسين إلى الدفاع عن نفسه وأهل بيته وأصحابه، وعقيدته وحريته في المقام الأول.
 
 يقول طه حسين: "وقد يقال إن الحسين قد ثار بيزيد ورفض بيعته، وثار إلى الكوفة يريد أن يُخرج أهلها عن طاعته ويفرّق جماعة الناس، ويرد الحرب بين المسلمين إلى ما كانت عليه أيام أبيه. فلم يكن يزيد وأميره في العراق بادئين في الشر مثيرين للفتنة، وإنما ذادا عن سلطانهما وحافظا على وحدة الأمة".
 
ويضيف طه حسين: "وقد كان هذا يستقيم لو أن الحسين مضى إلى حربه مصمماً عليها، لا يقبل فيها مفاوضة ولا يقبل عنها رجوعاً، ولكن الحسين عرض خصالاً ثلاث كانت العافية في كل واحدة منهن، فلو قد خلِّي بينه وبين الرجوع إلى الحجاز لعاد إلى مكة التي لم يكن يحب أن تسفك فيها الدماء، لأنها بلد حرام، ولأنها لم تُحَلّ لرسول الله نفسه إلا ساعة من نهار.

ولو قد خلِّي بينه وبين اللحاق بيزيد لكان من الممكن أن يبلغ يزيد منه الرضى على أي نحو من الأنحاء، أو أن يقيم عليه حجّة ظاهرة لا تقبل مراء ولا جدالاً".

ويختم قائلاً: "ولو قد خلِّي بينه وبين المسير إلى ثغر من ثغور المسلمين لكان رجلاً من عامة الناس يجاهد العدو ويشارك في الفتح، لا يؤذي أحداً ولا يؤذيه أحد من المسلمين. ولكن أصحاب ابن زياد أبوا إلا أن يستذلوه ويستنزلوه على حكم رجل لم يكن الحسين يراه كفؤاً ولا ندِّاً".
وفي خاتمة المطاف، تحقق للإمام الحسين هدفه في عدم تضييع دمه هباء، وكان بحق رمزاً للتضحية والاستشهاد في سبيل دين جده، إذ روي أنه قال: "إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني".

يقول العقاد: "ولم تعمّر دولة بني أمية بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتمّ لها بعد مصرع الحسين نيف وستون سنة.. وكان هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتى قضى عليها..".

يبدو لي أن حركة الإمام الحسين لم تكن ثورة أو خروجاً على الحاكم كما يزعم الزاعمون لتجيير الحسين لصالحهم واستغلال تضحيته، فأي ثورة هذه التي لا تخطيط لها، ولا منظّرين، ولا تجييش، ولا تهييج، ولا تحريض، ولا شبكات تواصل تعمل بسريّة، ولا ضربات تجس النبض هنا وهناك، ولا جمع أموال، ولا تخزين عتاد، ولا استغلال للعواطف الدينية، خصوصاً أنه سلاح فتّاك كان يمكن أن يستعمله الحسين، فهو أقرب إنسان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على وجه الأرض في ذلك الزمن.

وكان الحسين، في أسوأ الاحتمالات، يستطيع ببعض الكُتب والرسائل والخطب أن يجمع من حوله أنصاراً من اليمن، ومن مصر، ومن سائر بلاد المسلمين. ألم يكن يستطيع أن يجنّد ألف رجل كحد أدنى بدلاً من أهل بيته وأصحابه المقرّبين وعددهم لا يتجاوز الـ 82 شخصاً بمن فيهم النساء والأطفال؟

كانت حركة الحسين حركة رجل لم يتركوا له أي خيار سوى السيف أو الذل، فقرر أن يُدفّعهم ثمن دمه غالياً.

 


Share |
|
|
|
ساقي
29/5/2012 7:49 PM
وقد قالها عاليا: هيهات منا الذلة. عرضك للامر بهذه الطريقة أرجع إلى ذهني أسماء معارضين عراقيين هاجروا من العراق وطلبواالعيش في دول أخرى عربية وغربية ولكن تم اغتيالهم في أرض المهجر رغم أنهم لم يكونوا نشطاء سياسين بل مجرد أشخاص فروا بدينهم. لكن ألا يمكن أن ننظر إلى الأمر من زواية أن الحسين كان ثائراً أو معارضاً سياسياً لكن بشكل هادئ؟ بمعنى أنه كان يعلم بأن قتله على يد يزيد سيفضح يزيد أمام المسلمين ويسقط قناعه، فأي خليفة هذاالذي يقتل الحسين؟! فيعلموا أنه لا يصلح خليفة لهم ويرفضوا بيعته ويرفضوا محاولاته أن يحكم باسم الإسلام؟
أحمد أميري
21/12/2010 9:30 PM
شكراً أخي العزيز بوحنون، وأنا كذلك افتقدت تعليقاتك ومداخلاتك، والموقع خطوة إلى الأمام ولكل مرحلة وسائلها. وبخصوص المقال، فما كتبته ليس علماً وإنما هي وجهة نظر توصلت إليها من خلال قراءاتي واهتمامي بهذه القضية المؤلمة.
بو حنون
21/12/2010 2:33 PM
جزاك الله خير ورفع الله من مقامك ومن علمك. مشكور أخوي مع إني افتقدتك في اتحاد المدونين. قارئ قديم ومستمر لمواضيعك.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01