search
إصدارات
ارتباطات
حكم شرعي أم مجرد كلام؟
28/1/2011
من الطبيعي أن يرتدي الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة مثلاً، ثوب الدكتوراه حين يتحدث في تخصّصه العلمي، وفي المقابل، عليه أن يخلع هذا الثواب حين يتحدث في علم الفضاء، فوجود هذا الخط الفاصل يحفظ له مكانته العلمية ومصداقيته الفلسفية.

ويبدو أن هذا الأمر البديهي غائب عن بعض رجال الدين، فتجده بالجبّة والعمامة يتحدث في كل شيء، ولا تدري إن كان ما يقوله رأياً شرعياً توصّل إليه بالدليل الشرعي متجرّداً من كل هوى وعاطفة ومصلحة ومن ثم فهو واجب الاتباع، أم هو رأي مثل رأي رجل الفضاء في فلسفة أفلاطون.   

في أسبوع واحد تحدث الدكتور يوسف القرضاوي في قضيتين، الأولى قضية السودان التي أصدر فيها هو وبعض العلماء بياناً بـ"رفضهم تقسيم السودان، وتحريم التصويت لصالح الانفصال"، مؤكدين أنها مؤامرة صهيونية وصليبية من خلال دعم حركات التمرّد والانفصال لتفتيت الأمة العربية والإسلامية، كما في تيمور الشرقية وجنوب السودان "وربما يحدث غداً في دارفور"، متوجّهين بندائهم إلى السودانيين لـ"إفشال مخطط الانفصال المعدّ من قبل الاستعمار، والذي تروّج له جهات وشخصيات تقدّم تطلعاتها على مصالح الأمة".

صدر هذا البيان قبل بدء التصويت بأربعة أيام، كأنّ مشروع الانفصال وُلد في اليوم السابق للبيان، وليس هو مشروع متداول منذ خمسينيات القرن الماضي حين صوّت الجنوبيون لصالح استقلال السودان على أساس اتحاد فيدرالي يضمن تمتّعهم بحكم ذاتي، وهو ما لم يحدث طيلة نصف قرن وكلّف الطرفين أكثر من مليوني قتيل، إلى أن أبرما اتفاقاً ينصّ على إعطاء الجنوب حكماً ذاتياً لمدة خمس سنوات ثم يحدد أهله مصيرهم من خلال الاستفتاء، وهو ما حصل فعلاً قبل أيام تحت سمع وبصر العالم، حين وقف ملايين الجنوبيين في طوابير طويلة وصوّت غالبيتهم الساحقة لصالح الانفصال ثم خرجوا وهم يرقصون ويغنون "باي باي سودان".

ببيان واحد اختصر السادة العلماء وعلى رأسهم الدكتور القرضاوي صراعاً مصيرياً قام على أسباب جدية ما كان ليصل إلى هذه النهاية لولا أخطاء فادحة ارتكبتها حكومات السودان المتعاقبة، لم يسلم منها حتى شركاؤهم في الحكم، وإخوتهم في العِرق والدين.
كما أن البيان وضع إقليم دارفور، الذي يدين سكّانه كلهم بالإسلام، جنباً إلى جنب تيمور الشرقية وجنوب السودان، لكن يبدو أنه لا يهم خلط الحابل بالنابل ما دام العلماء الأجلاء بصدد إصدار بيان لهم.

والأكثر غرابة الإشارة إلى وجود جهات وشخصيات تروّج للانفصال مقدمةً تطلعاتها على مصالح الأمة، فإن كان المقصود قادة الجنوب، فإنه من الطبيعي أن يقدّموا تطلعات شعبهم على مصلحة أمة لا ينتمون إليها، إلا إذا كان مسيحيو الجنوب جزءاً من الأمة التي يتحدث هؤلاء العلماء باسمها. 

أما القضية الثانية التي تحدث عنها الدكتور يوسف القرضاوي فكانت هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى الخارج بعد ثورة شعبية، فقال القرضاوي: "بعد أن سقط الصنم الأكبر هُبل، يجب أن تسقط بقية الأصنام المحيطة به من اللاّت والعُزى، وبقية الخدّام الذين ينتمون للنظام الذي عانى منه التونسيون سنوات طويلة". وهي دعوة صريحة، وربما حكم شرعي، بالمزيد من الفوضى والاقتتال، فأن تتم ملاحقة بن علي وزمرته ومحاسبتهم وفق القانون شيء، وتشبيههم بالأصنام والتحريض على إسقاطهم شيء آخر.

ولو لم يكن للقرضاوي بالأمس موقف إيجابي من صدام لربما كان موقفه اليوم من بن علي مقبولاً، فـ"هُبل" مهما كان قد فعل فإنه لا يمكن مقارنته بصدام الذي امتدحه القرضاوي بعد إعدامه من فوق منبر صلاة الجمعة ولم يذكر ضحاياه، وهم بالملايين، بكلمة عزاء واحدة، كأن صدام لم يفعل شيئاً سيئاً طيلة سنوات حكمه الطويلة، ولم يعانِ منه أي أحد. عموماً، موقف القرضاوي من الطاغيتين يتوافق تماماً، وبشكل غريب، مع موقف الحكومة التي حصل على جنسيتها منهما.   

ولا أحد يعلم إن كان ما قاله الشيخ الدكتور القرضاوي في هاتين القضيتين حكماً شرعياً أم مجرد كلام.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
11/3/2011 10:54 PM
شكراً أخي بو حنون، وصدق من قال: "ما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته".
بو حنون
30/1/2011 5:01 PM
السلام عليكم.. شكراً على المقال الرائع. أنا أمس سمعت حوار الشيخ القرضاوي مع قناة "الجزيرة" في موضوع انتفاضة مصر. كان الكلام قوي جداً وفيه عبارات تحفيز "تقريبا" لشباب مصر لإطاحة الحكم بسبب الظلم وعدم قدرة النظام على سد جوع الأمة وكلام فيه كثير من "السب الخفيف" وكلام سياسي طبعاً.. الموضوع حالياً ان كثير من الشخصيات الإسلامية لا تتكلم باسم الإسلام فقط لكن تتكلم باسم الجهة التي "تصرف" عليه. هذا واقع... ومعروف انه كلامه ينسمع من شريحه كبيره.. يعني يستوي "Marketing Tool " يعني اذا عندك شيخ في بلدك عادي يقول فلان من بلدك تراه شهيد وتراه الفلان من البلد الثاني تراه ظالم. يعني الخلاصه استغلال مناصب اسلاميه لخدمات سياسيه او اجتماعية وامثله كثيره موجوده وانت أدرى وآخر الكلام نقول الحمد لله على كل حال والله يرحم ايام المسلمين ويستر من الياي. مشكور اخوي والله بوفقك دنيا وآخرة.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01