search
إصدارات
ارتباطات
مبدأ "وِشْ لي؟"
3/2/2011
أسفر الزلزال الذي ضرب هايتي في العام الماضي عن مقتل ربع مليون إنسان، بينما لم يسفر زلزال ضرب نيوزيلندا بالقوة نفسها عن أي حالة وفاة. المعنى أن الزلازل والكوارث تحدث في كل مكان، والأخطار محدقة بالبشر في كل بقعة من الأرض، لكن الفرق يكون في العمل على التقليل من الخسائر في الأرواح.

ولا أحد بالطبع يتمنى حدوث خسائر بشرية، لكن لا يمكن منع ذلك بالتمنيات والجلوس في المكاتب، وإنما بتحمّل المسؤولية والعمل الجاد والتنسيق بين الجهات المعنية ومحاسبة المقصّرين وعدم إلقاء اللوم على الآخرين، ففي ظل غياب هذه العوامل يمكن أن تزهق الأرواح لأتفه الأسباب. 
 
ففي ظروف واضحة وبملابسات متشابهة توفي خمسة أشخاص وأصيب اثنان خلال أقل من شهر واحد في كل من إمارتي رأس الخيمة والفجيرة. في الحادث الأول سقطت مركبة مقيم عربي في مياه خور رأس الخيمةأثناء محاولة سائقها الدوران من الفتحة المعاكسة مع عدم وجود حواجز حماية على الخور، وحاول شاب خليجي إنقاذ السائق لكنهما استقرا معاً في السيارة التي استقرت بدورها في قاع الخور.

ومثل هذا الحادث قد يقع في أي مكان في العالم، لكن الذي لا يمكن تصوّره أن يقع حادث آخر بعد عشرة أيام فقط من الحادث الأول، وفي مكان قريب، وللسبب التافه نفسه: عدم وجود حواجز حماية، وينجم عن الحادث غرق شاب وشابة عربيين، واستقرارهما، كالعادة، في قاع الخور داخل سيارتهما.

وماذا فعلت الجهات المسؤولة؟ لا شيء سوى التملّص من المسؤولية وإلقائها على عاتق جهات أخرى، فـ"دائرة الأشغال" بالإمارة قالت إنها جهة تنفيذ ملقية المسؤولية عن تركيب الحواجز "العظيمة" على "بلدية رأس الخيمة" التي هي جهة تخطيط.

وردّت البلدية بالقول إنها ليست جهة الاختصاص في "تصميم وإنشاء الحواجز على الطرقات"، كأنها ستصمم برجاً بطول "برج خليفة"، ملقية المسؤولية على دائرة الأشغال، وكفى الله المؤمنين القتال. وتدخّلت شرطة رأس الخيمة وأرجعت سبب الحادث إلى عدم وجود الحاجز، وإلى عدم التزام السائق بأنظمة السير والمرور، برغم أن عدم الالتزام بأنظمة المرور عقوبته الغرامة وليس الغرق.

وقبل أسبوع تقريباً وبينما كانت عائلة مواطنة تستمتع بالأجواء الماطرة في منطقة جبلية بإمارة الفجيرة، بالقرب من مكبّ نفايات يحوي مخلفات الصرف الصحي ونفايات المصانع، سقط اثنان من أبناء العائلة في حفرة تحوي مواد كيماوية حارقة، وأصيب الطفلان بحروق شديدة، ويحتاجان إلى تدخّل جراحي لتبديل الجلد.

أرجع ذوو الطفلين سبب الحادث إلى عدم وجود سياج يحيط بمكبّ النفايات أو على الأقل لوحات تحذيرية. وكالعادة، ألقت "دائرة الأشغال" بالإمارة المسؤولية على البلدية التي التزمت الصمت ولم تلقِ كرة المسؤولية في ملعب الأشغال. لكن "شرطة دبا الفجيرة" كان لها رأي مختلف تماماً، إذ أكد مصدر مسؤول فيها أن والدي الطفلان يتحملان أكبر قدر من المسؤولية عمّا حدث لابنيهما، لأن قرار التوجّه إلى هذه المنطقة لم يكن في محله، وكفى الله المؤمنين القتال.  

وبعد يومين فقط، اتجه مواطن ستيني إلى المنطقة نفسها بحثاً عن أخشاب لحرقها، فسقط في حفرة أخرى لا تبعد عن الحفرة الأولى إلا مسافة مئة متر، وأصيب بحروق شديدة لدرجة أن ذويه لم يتمكنوا من رؤيته وتوفي نتيجة ذلك.

العنصر المشترك في الحوادث الأربعة أن الحيلولة دون وقوعها لم يكن يكلّف شيئاً اللهم إلا القليل من الأموال والكثير من الإحساس بالمسؤولية، والعنصر الآخر هو الاستخفاف بأرواح الناس من خلال إلقاء المسؤولية عليهم، والعنصر الثالث هو أن مبدأ "وشْ لي؟"، أي "وما علاقتي؟"، لا يليق أن ترفعه جهات حكومية خدمية.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
11/3/2011 10:49 PM
شكراً أخي محمد، وأنا أعتقد أنه من المفترض أن تتغير العقليات الموجودة في رؤوس أصحاب الكراسي، فالبشر ليسوا حشرات وليسوا جرذان.
محمد
21/2/2011 10:47 AM
بالفعل يا بومحمد، شوية مسؤولية وعدم استخفاف بأرواح الناس. شكرا على طرحك الموضوع.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01