search
إصدارات
ارتباطات
شعوب قانعة بالأشواك
10/2/2011

يشتمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ثلاثين مادة، والحقوق التي تحميها تلك المواد ليست ذات أهمية متساوية بطبيعة الحال.

صحيح أن جميع حقوق الإنسان الواردة في الإعلان المذكور تعدّ حقوقاً أساسية، أو طبيعية، أو أصلية، ولا يمكن للإنسان أن يعيش من دونها كبشر، لكن هناك حقوقاً في الإعلان إن لم يحصل عليها الإنسان فإنه لن يعيش من الأصل، سواء كبشر أو بغير هذا الوصف.  

فالحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية، أو الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة، أو الحق في المساهمة في التقدم العلمي، وهي كلها من حقوق الإنسان الطبيعية، لا يمكن وضعها من حيث الأهمية مع الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية، أو الحق في عدم التعرّض للتعذيب أو العقوبات أو المعاملة القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة.

والمؤسف أن بعض الحقوق التي يحميها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعدّ ترفاً لدى الإنسان في الكثير من الدول النامية أو دول العالم الثالث، وربما لا تخطر بباله، أو لم يسمع بها، وإن سمع فإنه قد يضحك في سرّه ويتجاهل المطالبة بها لأنها آخر ما يفكر به، لكنه لا يمكن أن يتوقف لحظة عن التفكير في حقوق أخرى، حقوق تسيطر على قلبه وعقله وكل ذرة إحساس فيه، وهي الحقوق التي تضمن وجوده وبقاءه على قيد الحياة.

فالذي لا يجد ما يقتات به، أو الذي لا يدري متى وأين وكيف ولمَ يمكن أن يتعرّض للتعذيب أو القتل، لا يفكر مثل هذا الشخص في حق الاشتراك في إدارة الشؤون العامة مثلاً، لأنه من الأساس لا يملك حق إدارة شؤونه الخاصة، ولا يفكر في انتزاع حقه في حرية الرأي والتعبير وهو جائع. وهناك حقوق مكمّلة أو تابعة لحقوق أساسية، ولا يمكن تصوّر الحق التابع من دون الحق الأصلي، كحق العمل الذي يكمّله حق الحصول على عطلات دورية بأجر.

ورغم ذلك، ورغم أن سقف المطالب لدى تلك الشعوب منخفض مقارنة بشعوب العالم الأول، ورغم أن أنظمة دول العالم الثالث محظوظة بشعوبها القانعة بالقليل مثل الجمال تقنع بالقليل من الأشواك، فإن تلك الأنظمة الفاشلة لا تحفظ لشعوبها المغلوب على أمرها جميل قناعتها، ورضاها بالقليل والأشواك، وتجاهلها المطالبة بالكثير من حقوقها الأساسية، أي أنها لا تكتفي بهضم حقوق شعوبها في العيش كبشر، بل تهضم ما تبقى من حقوقهم التي تبقيهم على قيد الحياة ككائنات حية.

وحين أشعل الشاب التونسي الشهيد محمد البوعزيزي النار في جسده وأشعل معه تونس كلها، لم يكن يحتج على منعه من الاشتراك في إدارة الشؤون العامة، ولا حتى يطالب بالعيش كبشر، وإنما بالحصول على لقمة عيش تبقيه وأسرته على قيد الحياة.

وحين انتقض شباب مصر لم يفعلوا ذلك لأنهم محرومون من حرية الرأي والتعبير، وإنما بسبب تراكم الظلم وازدحام الذاكرة الجمعية للمصريين بصور التعامل بوحشية مع الأفراد من قبل قوات الشرطة والأمن، وآخرهم كان الشاب الإسكندراني الشهيد خالد سعيد الذي قتله رجال النظام في الشارع، فخرج آلاف الشباب الذين أصبحوا كلهم "خالد سعيد" إلى الشارع يطالبون بإسقاط النظام نفسه. 

والذي يثير الغيظ حقاً أن الأسباب الرئيسية والمباشرة لانتفاضة تلك الشعوب كان يمكن تداركها ومعالجتها بإجراءات لا تكلّف الكثير.  

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01