search
إصدارات
ارتباطات
عذراً يا مصر
17/2/2011


أرسل لي أحدهم رسالة تفيد بأن مصرياً حرق نفسه أمام مجلس الشعب، إذ ساد اعتقاد بأن المصريين سيغضبون كما غضب التونسيون حين أشعل البوعزيزي النار في نفسه واشتعلت الثورة التونسية، فألّفت نكتة ثقيلة الدم تقول: "مصري حرق نفسه، فهبّ الشعب لإطفائه".

كانت مصر قد خسرت كل شيء، بما فيه الشعب، فليس هناك سوى ثمانين مليون آدمي يمسك بخناقهم حزب حاكم، مع فضيلة واحدة له هي أنه ترك لهم ألسنتهم يعبّرون بها عن فظاعة أوضاعهم.

وبقيتُ على هذا الاعتقاد حتى بعد أن اندلعت مظاهرات 25 يناير، وكنت أتصوّر أن أقصى ما يمكن أن يفعله المصريون، تحت وقع ضربات الهراوات والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، هو أن يُطفئوا غضب بعضهم بعضاً بمياه المواساة ورغوة الصبر، وربما القبول بأنصاف الحلول، كأن يرمى لهم وزير أو مسؤول كبير ككبش فداء.

لكن شباب مصر أبهروا العالم بنور ثورتهم التي سطعت من ميدان التحرير ومن بقية شوارع ومدن المحروسة، خصوصاً مدينتي السويس والإسكندرية، نور كشف كل شيء في لحظة واحدة، كشف النظام الفاسد كما كشف المعارضة التقليدية.   

دخلت هذه الثورة التاريخ، وقريباً ستدخل المناهج، ولا يمكن تتبع إضاءات هذه الثورة كلها الآن، فهي لا تزال قائمة ولم يحن موعد الحصاد الشامل، لكن على عجالة يمكن الإشارة إلى بعض إضاءاتها.

منها أن هذه الثورة أعادت الاعتبار لمفهوم الشعب، فقد كانت هذه المفردة تعني فيما مضى الشعب الياباني، أو الشعب الأميركي، أو أي شعب آخر إلا أن يكون عربياً، بعد أن فرّغت أنظمة الحزب الواحد والقائد الضرورة "الشعب" من معناه وكسرت إرادته وصيّرت أفراده إلى خيال مآتة.  
  


ومثلما أصبح لمفردة الشعب معنى، أعادت هذه الثورة الاعتبار لمفردة "الشباب"، فقد كانت هذه الكلمة في القاموس الاجتماعي العربي مرادفاً للاستهتار والعبث وعدم تحمّل المسؤولية والجري خلف التقليعات الغربية، لكن شباب مصر كانوا قمة في التضحية، والشعور بالمسؤولية، والسواعد التي تبني الغد الأفضل. 

ومن إضاءات الثورة أن شباب العرب، وفي حالة نادرة، استغلوا التقنيات الحديثة في شيء مفيد، فقد انطلقت شرارة التغيير من صفحة على موقع "فيسبوك"، أنشأها شاب مصري، ذلك الموقع، وغيره من المواقع والبرامج والتقنيات التي كان شباب الغرب هو الذي يبتكرها ويسوّقها ويبيعها، بينما شباب العرب يتخذون منها وسيلة للتسلية، أو للتعارف، أو لإيذاء الآخرين، أو للدعوة للعنف والكراهية والإرهاب، كما فعل تنظيم "القاعدة" الإرهابي. 

وأعطت ثورة مصر النموذج العربي الأول للتغيير السلمي، فقد بحّت حناجر الملايين من المصريين وهم يهتفون طيلة الوقت: "سلمية، سلمية"، وكانت فعلاً سلمية من جانب المتظاهرين، بشهادة العالم أجمع وبالأدلة المأخوذة من مسرح الثورة: ورود على المدافع، وقبلات على وجوه العسكريين. وإذا كان الهنود يباهون بغاندي، والأفارقة بمانديلا، فمن حق العرب أن يباهوا اليوم بشباب مصر. وثورة مصر حجّة على كل الجماعات التي لا تزال تؤمن بالعنف سبيلاً للتغيير.

أما الإضاءة الأكثر إبهاراً فهي أن الثورة قامت من أجل مصر، ولا شيء غير مصر، فلم يرفع شعار ديني، أو حزبي، أو فئوي، لا شعار إلا مصر، وغرق انتهازيو الداخل والخارج أثناء محاولتهم ركوب موجة الثورة. ويبدو أن هذه هي الوصفة السحرية لنجاح أي محاولة تغيير، التغيير من أجل خير الوطن. 

لم أتمالك نفسي حين أدى المتحدث باسم الجيش المصري التحية لأرواح شهداء الثورة، فجرت على خدي الدموع التي أرجو أن تشفع لي كل رأي خاطئ كنت أعتقده في مصر وشبابها، وعذراً يا أم الدنيا.
 
 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01