search
إصدارات
ارتباطات
"فيسبوك" على كل ظالم
24/2/2011


ارتبطت الثورة المصرية، وبصورة أقل الثورتين التونسية والليبية، بالشباب وبمواقع التواصل الاجتماعي وأهمها "فيسبوك". ويبدو أن هذا الارتباط آخذ في الاستحكام مع وقوع مظاهرات وأعمال عنف في دول عربية أخرى، وقد تتجه المعادلة إلى أن تكون: شباب و"فيسبوك"، يعني ثورة.

وفي هذا تغرير بشباب الدول التي تنعم بالاستقرار والرخاء والرفاهية، إذ قد يندفع بعضهم إلى إثارة الفوضى لمجرد التقليد، كما فيه استسهال للاحتجاج والدعوة إلى التغيير الفوري والشامل أو الثورة لمجرد عدم تحقق بعض المطالب، وفيه أيضاً تضخيم لدور مواقع التواصل على الإنترنت.

معادلة "شباب وفيسبوك يعني ثورة"، في نظري معادلة غير صحيحة، إذ أن تركيبة قنبلة الثورة تتكون من عناصر لا علاقة لها بالشباب أو بالإنترنت، وإنما بالاستبداد، والقمع، والفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، والحرمان، والتهميش، والتي يمكن اختزالها جميعها في وصف شامل هو الظلم.

الأمر الذي لا يحتاج إلى أدلة لشدّة وضوحه هو أنه لولا الظلم لما وقعت أي ثورة في العالم على مرّ التاريخ، (بالطبع الانقلابات العسكرية أمرها مختلف)، إذ ما الذي يجعل الشعب يضحي بروحه ودماء أبنائه وبمنجزاته مهما كانت متواضعة لولا يأسه من نيل حقوقه بالطرق السلمية أو القانونية؟ لا أحد يمكن أن يذوق طواعية مرارة الثورة والمآسي التي تنجم عنها إلا إذا كان سكوته واستسلامه للأمر الواقع أكثر مرارة.

كل دول العالم يمثّل الشباب الغالبية فيها، لكن معظم تلك الدول ينصرف شبابها إلى البناء والإسهام في التنمية ما دامت مطالبهم تتحقق، ومستقبلهم المضمون يرونه بأعينهم. وهناك نحو نصف مليار شخص في أرجاء الكرة الأرضية يمتلكون حسابات في موقع "فيسبوك"، لكنهم منهمكون في تبادل الآراء والتعارف ونقل الخبرات والمعارف. ولو كانت الثورة مقترنة بوجود هذا الموقع، لكان شباب أميركا الذين انشأوا الموقع، هم أول الثائرين في العالم. وفي المقابل، فإن الإنفجار سيقع، ولا يمكن أن لا يقع، في أي مكان في العالم يتعرّض غالبية أهله إلى الظلم، سواء كان هناك إنترنت أو لم يكن، وسواء بقيادة الشباب أو بـ"العواجيز".  

لا أحد عاقل يمكن أن يثور أو يدعو إلى إسقاط حكومة توفر له التعليم والطبابة والعمل، وتمهّد له الدرب ليتزوج ويبني أسرة وينجب ذرية، ولديه بيت أو محل سكن لائق، ينام فيه قرير العين مطمئناً على نفسه وعرضه وماله، ويعرف أنه إذا خرج إلى الشارع، فإنه سيعود إلى بيته من دون أن تُمس شعرة من جسده، فلا شرطي ولا رجل أمن ولا أي مسؤول مهما علا شأنه يستطيع أن يتعرّض له إلا بموجب القانون، بل يثق أنه حتى  لو أخطأ وارتكب جريمة، فإن هناك شرطة ملتزمة بالقانون، ونيابة يقظة الضمير، وقضاء عادلاً ومستقلاً، كما أن حقه في التعبير عن رأيه مصون في حدود القانون، وبالجملة: توفر له دولته عيشاً كريماً.

لا أعتقد أن شاباً واحداً من ملايين الشبّان الذين ثاروا في مصر أو تونس أو ليبيا، خرج إلى الشارع وهو يحلم بمنصب الرئاسة، أو حتى الوزارة، أو حتى أن يصبح مجرد مدير عام. كما لا أعتقد أنهم كانوا سيواصلون سكوتهم وصبرهم وبلعهم المرّ وتحملهم الظلم إذا لم يكن هناك "فيسبوك"، كل ما هناك أن الشباب هم وقود أي ثورة، ومن الطبيعي أن يكونوا في الطليعة، والإنترنت يسرّع عملية إنفجارهم، لذلك كان لافتاً اللوحة التي حملها أحد شباب مصر أثناء الثورة مكتوب عليها عبارة: "فيسبوك" على كل ظالم.  

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01