search
إصدارات
ارتباطات
الكوميديا خسرت القذافي
3/3/2011


لم يُجمع العالم على معاداة رئيس كإجماعهم على معاداة الزعيم الليبي معمر القذافي، وفي المقابل، أعتقد أن هناك إجماعاً على أن القذافي رجل هزلي وكوميدي من دون أن يعلم، وهذه هي قمة الكوميديا والهزل.  

 
ولولا صور الجثث الملقاة في شوارع ليبيا ومستشفياتها منذ أن اندلعت الثورة الليبية، ولولا الأنباء الواردة من ليبيا بتعرّض المدن التي خرجت من تحت سيطرة النظام للقصف بالطائرات والمدفعية الثقيلة، ولولا آثار الغضب البادية على وجوه المعارضين والمنشقين الليبيين، ولولا الكارثة الإنسانية التي يتعرّض لها النازحون من ليبيا، لولا هذه الأمور، لكانت تصرفات وردّات فعل القذافي على ما يجري في بلاده أكبر مسرحية هزلية في التاريخ.
وكلما خطب القذافي في الجماهير، أو صرّح لوسائل الإعلام، تحولت هذه المواد إلى وسيلة للضحك الدسم المخلوط بالبكاء المرير، خصوصاً بعد تركيب صوت القذافي على لقطات لرسوم متحركة، لدرجة أن أشخاصاً لا يهتمون بالسياسة، ولا يتابعون ما يجري حولهم، أصبحوا يتنظرون "طلّة" القذافي ليضحكوا، وهناك أشخاص يطالبون ببقائه ليستمروا في الضحك، واجتاحت حمى الضحك والسخرية سائر أرجاء الوطن العربي.
وشهدت اللقطات والمشاهد المحملة على موقع "يوتيوب" والتي يكون القذافي بطلاً فيها إلى كثافة في عدد الزوّار في الأيام الأخيرة، سواء خطبه الجديدة أو مداخلاته وتصرفاته وتجاوزه البروتوكولات الدبلوماسية في القمم العربية والمؤتمرات العالمية، كخطبته الأخيرة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ورميه الميثاق الأممي من فوق المنصة التي وقف فوقها 75 دقيقة، وكان يفترض ألا تتجاوز 15 دقيقة، تحدث خلالها عن أي شيء خطر بباله، ابتداءً بأنلفونزا الخنازير، ومروراً باتهام اليهود باغتيال جون كنيدي، واقتراح بنقل مقر المنظمة الدولية إلى الهند، وانتهاءً بطلب بإجراء تحقيق لكشف مخططي اغتيال ابراهام لينكولن عام 1865، لدرجة أن مترجم اللغة العربية هناك أصيب بالانهيار من شدة التعب. 
 
الوقت ليس وقت ضحك، لكن انفعالات القذافي، وضربه الطاولة بيده وهو يصرخ في الفراغ: "دقت ساعة العمل.. دقت ساعة الزحف.. إلى الأمام.. إلى الأمام"، ورفعه قبضة يده في الهواء وهو يقول: "ثورة.. ثورة"، والكلمات التي يستعملها، والأوصاف التي يطلقها، أصبحت متداولة بين الناس على نطاق واسع، بالإضافة إلى النكات المستوحاة من القذافي ومن كتابه الخارق والمضحك المسمى "الكتاب الأخضر"، ومن أشهرها: "لست ديكتاتوراً لأغلق الفيسبوك، لكنني سأعتقل من يدخل عليه".

وبالطبع، هذا الحديث غير مخصص للتندّر على القذافي أو الإشارة إلى ظرفه، فهو ظريف وهزلي لو لم يكن زعيماً لشعب، وكوميدي لو لم يكن يكبس على أنفاس شعبه أكثر من أربعة عقود، وهذا هو مربط الفرس.

إذ كان يفترض لشخص مثل القذافي يحب الاستعراض والإثارة ولفت الأنظار والخروج عن المألوف، وهو إلى ذلك كوميدي بتلقائية وهزلي بالفطرة مع مسحة من خبل، في ملابسه وتصرفاته وقدرته العجيبة على اللعب بالألفاظ، كأوباما الذي أصبح "أبو عمامة"، وأديسون الذي أصبح "إدريس حسين"، وشكسبير الذي أصبح "الشيخ زبير"، والديمقراطية التي أصبحت "ديمو الكراسي"، كان يفترض في مثل هذا الشخص أن يوجّه منذ الصغر إلى التمثيل والعمل المسرحي، بدلاً من دخوله الكلية العسكرية وتخرجه برتبة ملازم ثم انقلابه على الحكم.
لو كان نظام التعليم متطوراً في البلاد العربية، لو كانت هناك جهات معنية باستقطاب المواهب في مختلف مجالات الإبداع، لو كانت هناك شروط صارمة واختبارات نفسية وعقلية تجرى لكل متقدم للدراسة العسكرية، أو إلى أي تخصص يتطلب في صاحبه مواصفات ومؤهلات معينة، لكان القذافي الآن على خشبة المسرح والجمهور يبكي من الضحك. 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01