search
إصدارات
ارتباطات
أدور حول نفسي كالزبّوت (مقامة)
1/11/2002

 

قلت له: أراك ذاهلاً يا أبا محمد، وأراك ترغي وتزبد. سدد إليّ نظرات حادة، فأدهشتني ملامحه الجادة، فأبو محمد عرفته مرحاً، ويندر أن أجده ترحاً. ناولني الجريدة والدموع تترقرق في عينيه، والرعشة تعلو شفتيه، وصاح بأعلى صوته، كمن نُعي بموته: 

ما لي وخراب بيروت، وإعمارها بالبيوت، وأنا على وشك أن أموت، ولَمْ أعرف من الإعمار سوى "الشيشة"، فأُعمرها بتبغها وفوقها "حشيشة"؟ وما لي وجارة وادي أحمد شوقي، وأنا مديون من تحتي وفوقي؟ وما دخلي بشهرة زحلة بالفندقة، وأزقة طرابلس الضيقة، ومعبد جوبيتر في بعلبك، وساستها وألف بِكْ، ولذة حمضيات صيدا، ولهجة "هيدي وهيدا"، أو وزجاج صور، وأنا غارق في "أم خنور"؟

وما لي والأبنية الكلسية في حلب، وأنا يدوسني كل من هب ودب؟ أو جمال مدينة حماه، وأنا أفقر خلق الله تحت سماه؟ وماذا تعنيني بقايا مدينة إربد، وطفلي يأكل البقايا ولا يرقد؟ أو الدور المنحوتة في جبال البتراء، وأنا لا أفرق بين الرمل والفسيفساء؟ أو كروم العنب في مدينة السلط، وأنا أسمع عن شيء اسمه "سلط"؟ أو المشي على السور المحيط بالكرك، وأنا لا أعرف من الشراب سوى "الكرك"؟ أو تناول العشاء في منتجعات مادبا، وأنا يسيل لعابي من كلمة مأدبة؟

وكيف أذهل من حدائق بابل المعلقة، وحياتي بين المحاكم والسجون معلقة؟ أو رصافة بغداد وكرخها، وأنا أبكي لعيالي كدجاجة لفرخها؟ وكيف ألهو في بساتين سامراء، وأنا مع الدائنين في كربٍ وبلاء؟ وكيف أفكر بازدحام القاهرة، وعيون أهلها الساهرة، وعيون أهلي من الفقر حائرة، وأحداقهم من الجوع غائرة؟ أو تشقق شارع الهرم، واشتهار أهل الزقازيق بالكرم؟ وسكر أسيوط، وكندورتي تهرب منها الخيوط؟ ومعبد حتشبسوت، وأنا أدور على نفسي "كالزبّوت"؟ ومزارات الأقصر، وأنا الفقير ابن الفقير الأفقر؟

ولِمَ أشغل نفسي بتعثر الزراعة في ليبيا بسبب الصحراء، وأسناني من قذارة الماء صارت صفراء؟ وما لي والآثار الغريبة في تونس، وأنا أنسى اسمي وأقول يونس؟ أو كيف تزيد مصانع الزيتون إنتاجها في صفاقس، وأنا ألبس الرث من الثياب والملابس؟ ولِمَ أحدق بإعجاب بجسور قسنطينة، وأنا أرى في بيتي وجوهاً حزينة؟ وما لي وآثار وجدة، وأنا أبكي هماً في كل سجدة؟ وكيف يحلو اللهو في ملاهي طنجة، وأنا لم أذق طعم "المنجه"؟ وكيف أغني لمراكش، وغداً سآكل الحشائش؟

وما لي وخيام نواكشوط، وكهرباء بيتي تضربني بـ"شوط"؟ أو جفاف الخرطوم، وأنا مريض ومحموم؟ أو مدينة واو وقبائل دنكا، وأنا أعيش تحت رحمة "البنكا"؟ وخزف أم درمان، وأنا لم أرى الرمان؟ أو سبب كثافة الوافدين في كسلا، وأنا أموت من ضيوفي خجلا؟ أو مشكلات أثيوبيا وحروبها مع جيبوتي، وأنا ألبس في قدمٍ نعلاً وفي الأخرى "جوتي"؟  أو الاستحمام على شواطئ مقديشو، والقاضي يصرخ: اقطعوا من "معاشو"؟ أو ميناء عصب، وأنا يقتلني الغضب؟ أو صيد السمك في الحديدة، وأنا كما قلت على "الحديدة"؟ أو البيوت المصنوعة في شبام من اللبن، وأنا لا أفرق بين الحليب واللبن؟

وما لي وما لي مما يجري في مالي؟ ولماذا أبكي على دمار واشنطن؟ وخرابها بقنبلة تزن ألفي طن، أو بطائرة طائشة، يقودها أبناء فاطمة وعائشة، وأنا من حالي سأجن، كمن يلبسه عفريت من الجن؟ وكيف أشغل نفسي بمشكلات اليونان، أو زلازل اليابان، وما يجري في قندهار، وأنا أخاف الليل والنهار؟ والأكوادور والسلفادور، وأنا أنتظر المسكن "بالدور"؟ والفيضان في دكا، وجمجمتي تدك دكا؟ أو زلزال أزمير، وأنا لا أساوي سعر الحمير؟ أو برلين وأختها بون، وأنا بلا معين أو عون؟ وانقلاب جاكرتا، وأنا أحلم باللحم "والتكا"؟

وما لي وتدهور زراعة البن في البرازيل، وأنا أستر نفسي ببقايا السراويل؟ أو جنون بقر هولندا، أو نفوق أفيال كلكتا، أو تلوث هواء طهران، أو جمال مدينة أصفهان، أو أسلحة نيكاراجوا، أو مجاعة نيجيريا، أو ليالي فيينا، أو مجازر أرمينيا، أو معاهدة السلام في مدريد، وأنا مقيد بالأغلال والحديد؟ أو وفاة ملك نيبال، وأنا سأقاد بالسلاسل والحبال؟ أو ثورة موزمبيق، ودكها بالمنجنيق، أو البكاء لمشكلات منغوليا، وأنا من الحزن أصبت بالمنخوليا؟

ما لي وكل هذه البلاد، وأنا أفقر الخلق والعباد؟ لن أغني لهم ولن أسمع، بل سأبكي دوماً على قدفع. 

سكت أبو محمد وأجهش بالبكاء، ورفع يديه إلى الأعلى ولهج بالدعاء، وهالني ما رأيت، وأدهشني ما سمعت، فقلت له: أفض إليّ بما في صدرك أيها الحبيب، فالبوح أنجع من الدواء والطبيب. نظر إليّ وقال: هيهات هيهات، كانت نفساً واحداًَ لم يتخلله آهات. 

سألته عن سبب هذه الزفرة، والنظرات المليئة بالحسرة. قال أبو محمد وهو يبكي: أنصت إلي يا أحمداني فأنت أخي. أترى بيتي وسوء الحال، وهيئتي وقلة المال، وأنا صابر وملتف بالاحتساب حتى مللت الحياة وآثرت الانسحاب؟ لا أريد من الحياة شيئاً، وليس لي فيها قولاً أو رأياً، لكن الخبر الذي بين يديك أتعبني، وأغضبني وأحزنني، فكيف يحلو لهم إطعام شن جن في الصين، ونقل خبر امرأة مات في بطنها الجنين، ومد الكهرباء لنور الحق في ماليزيا، ونشر نتائج مباريات أسبانيا؟ الأولى إطعام الأقرب فالأقرب، ونشر معاناة المواطن الأجرب. وحب الخير للعالم أمر جميل، ونافع على المدى الطويل، لكن بعد أن يمتلأ قلب الوطن بحبنا، ويمسح بعطفه همنا وغمنا. 

تعجبت من كلامه، وعتابه وملامه، فقلت له: لكن ما دخل ما تقول في هذا الخبر؟ فهو خبر عن أنواع من الحبر؟. قال: اقرأ يا هذا الخبر الذي يليه. لكن كتلة أسمنت هوت من السقف عليه، هشمت جزءاً من جمجمته، واختلطت آهاته بكلماته. قرأت الخبر على عجل قبل أن يموت: الدولة تبني في بلاد الموز آلافاً من البيوت. 



نٌشر بمجلة "أحوال" بتاريخ 1/11/2002

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01