search
إصدارات
ارتباطات
السعيد مَن اعتبر بغيره
10/3/2011



"السعيد مَن اعتبر بغيره"، قول يصلح للأفراد كما يصلح للشعوب والأنظمة الحاكمة. ونحن الآن في موسم العِبر، خصوصاً للأنظمة، فأي نظام حكم ينشد سعادته، التي لا تُتصوّر عقلاً إلا ببقاء النظام ورضا الجماهير عنه، فإن الفرصة سانحة أمامه والوقت كافٍ للاعتبار بغيره من الأنظمة التي ذهبت إلى غير رجعة في تونس ومصر، وكذلك النظام الليبي الذي يتهاوى، واليمن التي بات نظامها على شفا حفرة من السقوط. 

الأنظمة التي ثارت عليها شعوبها وأسقطتها على مرّ العصور كثيرة، والعِبر متناثرة في كتب التاريخ لمن أراد أن يعتبر. لكن ما يحدث الآن أمام أعيننا يغنينا عن نبش التاريخ ونفض الغبار عن كتبه، إذ بين أيدينا عِبر طازجة، دموع أطرافها لا تزال تسكب، والكل يرى ويعرف أسباب ما جرى ويجري هنا وهناك.

وتكمن أهمية الاعتبار مما يحدث الآن في وجود الكثير من العناصر المشتركة بين الشعوب العربية، وكذلك التشابه بين الأنظمة الحاكمة في بعض الجوانب. وقائد السيارة يأخذ العبرة من قائد سيارة آخر لقي حتفه بسبب تهوره وسرعته الجنونية، لكنه لن يشغل باله بتدهور قائد دراجة نارية أو حدوث تصادم بين قطارين.


من أهم العِبر التي يمكن استخلاصها هو تهافت مفهوم الخصوصية، فالنظام المصري استخفّ بسقوط النظام التونسي، لأن مصر ليست تونس، ونظاما ليبيا واليمن يقولان الآن: نحن لسنا مثل تونس ومصر. وهذا صحيح، فالأنظمة ليست نسخاً كربونية، والشعوب ليست توائم سيامية، لكن الشعور بالكرامة واحد، والتوق إلى الحرية واحد، والصبر الذي ينفد واحد أيضاً.

ورأينا الثوّار في كل تلك الدول يصرّون على مطلب واحد هو رحيل النظام، ولم تفلح معهم كل خطابات الاستعطاف واستمالة القلوب والوعود بعدم ترشّح الرئيس وبعدم التوريث وبتلبية الكثير من مطالب الجماهير، لأن هذه الأنظمة فقدت مصداقيتها على مرّ السنين، مثل الشخص العادي الذي يتكرر كذبه إلى درجة لا يعود معها الناس يصدقونه في أي شيء يقوله ولو كان صحيحاً.

ومن العِبر أن سياسة تكميم الأفواه قد تجدي نفعاً لبعض الوقت، ومآل الأفواه أن تصرخ في يوم ما، كما حدث في تونس وليبيا. وفي المقابل، فإن إفساح المجال لحرية التعبير مع تجاهل الإصلاح و"التطنيش"، كما في الحالة المصرية، أدى إلى النتيجة نفسها، خرج الناس ليغيروا بأيديهم بعد أن فشلوا في التغيير بالكلام. 

كما ثبت أن تحويل البلاد إلى بلاد بوليسية وإطلاق يد الأمن للتدخّل في كل صغيرة وكبيرة لا يغنيان عن الحق شيئاً، فقد اختفى من مصر مليون ونصف المليون من رجال الأمن والشرطة حين حانت ساعة الحقيقة. وهاهي تونس تلغي جهاز أمن الدولة، وهاهم الشباب في مصر يداهمون مقرات مباحث أمن الدولة، وهاهي وثائق هذا الجهاز السري تباع في شوارع القاهرة بجنيهين اثنين.

ومن العِبر المجانية أن الجمع بين التجارة والسياسة لا يقلّ ضرراً عن الجمع بين الدين والسياسة، ففي مصر كما في تونس كما في ليبيا، خاض الساسة وأبناؤهم وأقرباؤهم في التجارة وضيّقوا على التجار الحقيقيين وأزاحوهم عن الأسواق، كما تسبّبوا في تآكل الطبقة الوسطى باحتكارهم ورفعهم الأسعار بلا رادع وشفط جيوب الناس بالمشروعات الوهمية على الورق وبالمضاربات المشبوهة، خصوصاً أنهم يمتلكون القوة والنفوذ، ويمكنهم تفصيل التشريعات على مقاساتهم والإفلات من العقاب. 

كما أن تمجيد الحاكم وتدريس نظرياته والإشادة بعبقريته ومواقفه الخالدة والبطولية، لا يمكن أن يبلعه كل الناس طوال الوقت، وصدق من قال إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. ولو كان كل ما يقال في الحاكم صحيحاً مئة بالمئة، فإن الإكثار من ذكره يُشعر الناس بالاختناق والملل.

العِبر كثيرة، لكن أين الذين يعتبرون؟

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01