search
إصدارات
ارتباطات
الاعتدال الصوفي والتشدد الأصولي
29/5/2011


ليس مفاجئاً أن تمتد يد الجماعات السلفية المتشددة لخنق صوت الاعتدال الصوفي ونسف أضرحة الأولياء وتدميرها كما حصل في مصر مؤخراً، ويحصل بشكل متكرر في باكستان، ذلك أن العداء قديم ورثته هذه الجماعات من أسلافها في المدارس الفقهية، وكان بعضهم يصف الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي بـ"مميت الدين". 

ينطلق الأصوليون من السُنة والشيعة، والخوارج من قبلهم، فهم يشكّلون هيئة محكمة إدانة واحدة، في هجومهم من تصورات خاطئة عن الصوفية قائمة على عداوة الإنسان لما يجهل، هذا في حال أحسن المرء الظن بهم. أما إذا نُحي حسن الظن جانباً، فإنهم يهاجمون لأن الهجوم خير وسيلة للدفاع، فالصوفية يعطون صورة مغايرة للإسلام الذي يريد الأصوليون أن يكون متجهّماً ومتعصّباً على شاكلتهم.

ويروّج الأصوليون أن الصوفية مرفوضة بـ"إجماع" علماء الأمة، ومزاعم أخرى تحتاج إلى مقالات منفصلة. ولعلّ هذا الزعم الرئيسي هو الأكثر تهافتاً، فمتى عُرض التصوف على جميع علماء الأمة، في زماننا هذا أو في الزمن الغابر، من إندونيسيا إلى موريتانيا عرضاً، ومن الشيشان إلى السنغال طولاً، ورفضوه جميعاً؟ وماذا بوسع الأصوليين فعله أمام الحديث النبوي: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وليس هناك شيء اجتمع عليه المسلمون كمثل اجتماعهم على التصوف؟

انظر إلى أندونيسيا وماليزيا اللتين تسود فيهما الصوفية، وصوفية الهند الذين قال عنهم العلامة الندوي: "لولا وجودهم وجهادهم لابتلعت الهند وحضارتها الإسلام"،وصوفية كشمير وأفغانستان مسقط رأس مولانا جلال الدين الرومي، والصوفية في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وباكستان الفيلسوف الصوفي محمد إقبال، وإيران سعدي وحافظ الشيرازي والعطّار وعمر الخيّام، حتى قيل بحق إن الأدب الفارسي صوفي الطابع.

وانظر إليهم في المغرب العربي الذي أنجب ابن عربي ويتنافس دوله اليوم على استضافة الطرق الصوفية حتى قيل إن الممارسات الصوفية هي الشكل السائد للتديّن هناك، ومصر ذو النون المصري وابن الفارض والقائد الأسطوري صلاح الدين الأيوبي، وليبيا المجاهد عمر المختار الذي كان صوفياً لمن لا يعلم، وسودان المهدي والبرعي الذي لا يمكن فصل تاريخ الإسلام فيه عن تاريخه مع التصوف، وصوفية الشام واليمن، والعراق مهد التصوف الذي يحتضن أجساد كبار الصوفية كالجنيد البغدادي ومعروف الكرخي وعبدالقادر الجيلاني، وفي الخليج العربي حضور للصوفية، خصوصاً في العهود الماضية، والكثير من الطرق الصوفية المنتشرة في أصقاع العالم الإسلامي حجازية المولد، وفن "المالد" الشهير يعد من فنون الصوفية.

وانظر إلى الصوفية في عموم كردستان وفي البوسنة والهرسك ونيجيريا التي عيّنت شيخ طريقة صوفية مفتياً للبلاد، وتركيا أحد معاقل الصوفية في العالم الإسلامي، خصوصاً مدينة قونية التي يقع فيها الضريح الأخضر للرومي، والذي احتفت به منظمة اليونيسكو قبل عامين حين كان الفقهاء يتجادلون في فتاوى إرضاع الكبير ولحى النساء العجائز.

لم تستطع السدود الأصولية الدينية طيلة قرون من التكفير والتخوين أن توقف تدفق النهر الصوفي الرقراق، لكنها استطاعت أن تخفّف تدفقه في العقود الأخيرة بفضل الضخّ المالي وقوة الدعاية والتنظيم، والتأثير على أبناء البلدان الإسلامية وإحداث الفتنة بينهم، كما حدث مع الشيشان التي يغلب على أهلها التصوف، لكن بعض أبنائها أصيبوا باللوثة الأصولية وأخذوا يتحرّشون بالصوفية، كعادتهم مع كل التيارات الإسلامية. وتأثرت بعض المناطق المعروفة بتصوف أهلها بالفكر المتطرف الذي جاء مع عودة الأفغان العرب إلى بلدانهم، كما حصل في الصومال مثلاً.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01