search
إصدارات
ارتباطات
الحنظل لا يثمر بطيخاً
30/5/2011


يمكن القول إنه في اندلاع الاحتجاجات الشعبية دفعة واحدة في خمس "جمهوريات" عربية، إحداها "جماهيرية عظمى"، نجحت قوانين الزراعة والطبخ وفشلت قوانين السياسة ومعها نجوم الفضائيات الإخبارية وأصحاب الأعمدة السياسية في كبريات الصحف العربية، وفوقهم أجهزة الأمن والاستخبارات في الأنظمة التي سقطت والتي هي على وشك السقوط، وتفاجأ العالم بأبسط البديهيات.

لو سألت أي مزارع عن الثمرة المتوقعة من زراعة شجرة البطيخ، لقال فوراً وبلا تفكير: بطيخة لذيذة، ولو سألته عن زراعة الحنظل، لقال: ثمرة صفراء مُرّة المذاق. ولو سألت أي طباخ: ماذا يحدث للقِدر المتروك على نار حامية؟ لقال: يحترق الطعام، ولو كان القِدر مضغوطاً ربما انفجر القدر بمكوناته.

هذه البديهيات كانت غائبة عن محللين لا يطبق لهم جفن إلا إذا أدلوا بدلائهم في هذه القضية أو تلك، وعن أجهزة أمنية تستطيع العثور على نملة معينة في مدينة كبيرة، وتفاجأ العالم رغم أن الأمر ليس فيه مفاجآت وإنما هو زرعٌ وحصد، وقوانين لا تحتمل الخطأ، فهم يتصوّرون أنه يمكن جني البطيخ من شجرة الحنظل، ويمكن أن يظل القِدر المضغوط على النار إلى ما لا نهاية ولا يحدث أي شيء.
 

من يجلس على كرسي الاستبداد ستطاله أيدي الأحرار طال الزمن أو قصر لتهزّه وتسقطه، ومن يروّع مواطنيه بأجهزة القمع سيجني نقمتهم، ومن يكمم الأفواه سيجني أفواهاً تصرخ، ومن يزرع الفساد سيأتي يومٌ مَن يقتلع جذوره، ومن يزرع الحرمان والتهميش سيحصد التمرّد، ومن يستغبي شعبه سيجني فقدان مصداقيته حتى في الأشياء الحقيقية، ومن يزرع في شعبه ثقافة القطيع سيرى مستوى الوعي يرتفع وأشخاصاً كثراً يخرجون عن السيطرة، ومن يزرع الظلم سيجني عاقبته، بكل بساطة ومن دون الحاجة إلى تفكير.

 
أثبتت هذه الاحتجاجات الشعبية أن قوانين السياسة والتحليلات الطويلة والعريضة والكلام الكبير والمنمّق عن الواقعية السياسية وتوازن القوى والمحاور والتحالفات واستحقاقات المرحلة والأوراق التي بيد هذا النظام أو ذاك، وادعاءات الخصوصية.. لا تصمد أمام قانون واحد من قوانين الزراعة أو المطابخ: زارع الحنظل لا يجني البطيخ، والنار الحامية تحرق الطبخة وقد ينفجر القِدر، وحتى لو لم ينفجر، فإن السائل الموضوع في القِدر سيتبخّر عند درجة معينة من الغليان، لكن الشعب الذي يتعرض للغليان لا يمكن أن يتبخّر.

من يزرع حنظلاً سيجني حنظلاً، سواء بشكل عفوي أو بأيدٍ خفية تحركها جهات خارجية، وسيجني حنظلاً ولو لم تشر وثائق "ويكيلكس" إلى ذلك، ولو لم يكتب أحد هذه الجملة في "فيسبوك" أو "تويتر"، وسيجني حنظلاً شاءت القوى الكبرى أم أبت، وسواء ضغطت عليه أم لم تضغط، وسيجني حنظلاً أراد المندسون أم لم يريدوا، وسيجني حنظلاً سواء كان الجَني جزءاً من المخططات الإمبريالية والمؤامرات الدولية أو لم يكن كذلك، وسيجني حنظلاً سواء تناول نصف الشعب حبوب الهلوسة أم لم يتناولوها، وسيجني حنظلاً سواء أكان ذلك في صالح الجماعات الدينية أو لم يكن في صالحها.    

ومن يزرع حنظلاً سيجني حنظلاً ولو شرع في إجراءات التطوير والإصلاح وطرح المبادرات الوطنية، فالتطوير قد ينتج ثمرة حنظل زرقاء بدلاً من الثمرة الصفراء، والإصلاح قد ينتج ثمرة حنظل في الشتاء بدلاً من الصيف، لكن تطوير شجرة الحنظل وإصلاحها لن يثمرا عن بطيخة واحدة، لا يمكن حدوث ذلك، لأن المسألة تتعلق بالشجرة نفسها وليس بالعوامل الخارجية كنظام الري أو نوعية السماد أو هبوب الرياح.  

Share |
|
|
|
أحمد أميري
9/7/2011 8:59 PM
شكراً أختي ياسمين وأعانكم الله على هذا الفرعون التافه وعائلته الإجرامية، جيلاً بعد جيل، وكلي ثقة وأمل بأن الشعب السوري سيوقف هذه العائلة عند هذا الجيل.
ياسمين ملاح
9/7/2011 3:55 PM
أشكرك أخي أحمد على هذا المقال الرائع جداً كما كل كتابتك رائعة وجميله مثل روحك الحلوة.وفعلاً من يزرع حنظل لن يحصد إلا المرار. للحقيقة أنا معجبة بموقفك النبيل من الثورة السورية،، شكراً لك.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01