search
إصدارات
ارتباطات
المحامي ورد الاعتبار
9/6/2011
تسعى وزارة العدل إلى إدخال تعديل قاسٍ في قانون المحاماة، يُحرم بموجبه المحامي من مزاولة المهنة نهائياً إذا حُكم عليه بعقوبة جناية أو جنحة ماسّة بالشرف والأمانة، ولو رُدّ إليه اعتباره، إذ ينبغي على المحامي أن يحافظ دائماً على اعتباره بين الناس.

هذا التعديل سيحرم المحامين من الاستفادة من قانون ردّ الاعتبار الذي يردّ الاعتبار للمحكومين في الجنايات أو الجنح المخلّة، ويمحو حكم الإدانة للمستقبل ويزيل ما يترتب عليه من انعدام الأهلية.

وتقوم فلسفة ردّ الاعتبار على "أنه ليس من العدل أن يُحرم شخص من أن يتبوأ المركز اللائق بكل وطني صالح إذا بذل مجهوداً ليحسّن سيره وسلوكه وأقام الدليل على هذا بمرور فترة معينة دون أن يرتكب حوادث"، كما أنه نظام مقرر لصالح المجتمع، "فمن مصلحته أن يندمج فيه كل من تاب وأصلح، فيؤدي أعمالاً لصالح نفسه ولصالح المجموع"، مع الأخذ بالاعتبار الضرر الذي قد يقع من وجود شخص يتمتع بمهارات قانونية عاطل عن العمل.  

وليس من الإنصاف أن يُحْرم المحامون من هذا النظام بينما يستفيد منه أصحاب مهن أخرى يُفترض في شاغلها ما يُفترض في المحامي، فالخبير الفني الذي هو أشبه بالقاضي ويتوقف الفصل في الدعوى على رأيه في الكثير من الأحيان،وكذلك مدقق الحسابات الذي يطّلع على أسرار الشركات، وتكون بين يديه كل معلوماتها، وله الحق في اعتماد ميزانياتها، يمكنهما أن يزاولا المهنة ولو حُكم عليهما جنائياً ما دام رُدّ إليهما الاعتبار.
 
وليس هناك قانون يحرم الطبيب من مهنته إلا في بعض الجرائم المتعلقة بعمله، علماً بأن المحامي الذي يخالف واجبات مهنته يُوقف عن العمل، وقد يشطب نهائياً، ولا اعتراض على التأديب في المجال المهني.

لكننا هنا نتحدث عن أمور تحدث خارج نطاق العمل، فمثلاً لو سرق طبيب أو زنى، فإنه يعاقب كفرد عادي، ولا تتأثر مهنته بتلك الجريمة، رغم أن أرواح المرضى معلقة بيد الأطباء، ولهم اطلاع على أخصّ خصوصيات المرضى، ويمكنهم أن يحددوا مصائرهم من خلال التقارير التي يكتبونها، كما يُستعان بهم في الإدلاء بشهاداتهم في ساحات القضاء. وقل مثل ذلك في الصحفيين والمهندسين والمعلمين، مع ملاحظة أن المحامي في نهاية المطاف لا يقضي ولا يحكم، وعلاقته بموكله تقع تحت عين القضاء.

والأمر الآخر أنه ليس في القانون قائمة للجرائم الماسّة بالشرف والأمانة، ولا يوجد معيار موضوعي لهذا التصنيف الفضفاض الذي يُفسّر بألف طريقة، خصوصاً أن الأمور الأخلاقية نسبية، وتجد الشرّاح ينقلون عن بعضهم بعضاً ويفسّرونها بأنها الجرائم التي "ترجع إلى ضعف في الخلق، وانحراف في الطبع، وخضوع للشهوات، مما يزري الشخص، ويوجب احتقاره، فلا يكون جديراً بالثقة".. فما هي هذه الجرائم بالله عليكم؟ وهل هناك جريمة عمدية على وجه الأرض لا ترجع إلى ضعف في خُلق مرتكبها؟

وقد يُقال إن جرائم المال هي من قبيل الجرائم الماسّة بالأمانة، وأن الجرائم الواقعة على العرض تمسّ بالشرف، وهذا يعني أن إعطاء شيك بدون رصيد يخلّ بالأمانة، والإشارة البذيئة في الشارع تخلّ بالشرف، وهذا ليس معقولاً، كما أنه ليس معقولاً أن يُعلق مصير المحامين بيد لجان الوزارة واجتهادات أعضائها.  

المحامي إنسان وليس من جنس الملائكة، وإذا حكم عليه في عقوبة جناية أو جنحة مخلّة فسيحرم من مزاولة المهنة خمس أو ثلاث سنوات بعد تنفيذ العقوبة، ولن يُرد إليه اعتباره إلا بعد أن تجري النيابة العامة تحقيقاً للوقوف على سلوكه، أي أنه سينال ما يستحق من عقوبة ووقف عن العمل لسنوات ليست بالقليلة، وفي حال أقرّ التعديل المذكور، فأي محامٍ تزلّ قدمه سيفقد مهنته ومستقبله إلى الأبد، ومستقبل أولاده أيضاً.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01