search
إصدارات
ارتباطات
تبسيط النحو العربي
10/7/2011
اختارت هيئة الطرق بدبي شعار "المترو اختياري" عند تدشينها هذا المشروع، ولحسن حظي أن قريباً لي يعمل هناك، فأحببت أن استعرض مهاراتي اللغوية أمامه وقلت له إن اختياري يقابله إجباري، بينما المقصود هنا هو الخيار أو الفرصة، فقال: وهل كنت تريد أن يصبح الشعار هو "المترو خياري"، ليفهم بعض الناس بأنه ذلك النوع من الخضراوات؟

فعند المتحذلقين باللغة لا يهمّ المعنى وإنما القواعد، ويشتد هذا التزمت عند بعض اللغويين، وربما كان هذا من عوامل تراجع حضور اللغة العربية بين أبنائها، بالإضافة إلى العوامل الأخرى بطبيعة الحال. ولعلّ قواعد النحو من أكثر قواعد العربية جموداً، فبعد أن وضع سيبويه كتابه أصبح النحو صنماً يُعبد.

ويذكر المفكّر علي الوردي موقف حصل له مع أحد النحويين بشأن فائدة النحو، فأتى النحوي بجملتين هما: اشتريت ثلاثة صناديق كتباً، واشتريت ثلاثة صناديق كتب. إذ إن اختلاف الإعراب يستتبع اختلاف المعنى، فالجملة الأولى تعني شراء كتب تملأ ثلاثة صناديق، بينما الثانية تعني شراء صناديق للكتب دون الإشارة إلى شراء الكتب معها. وكان جوابه أننا نستطيع أن نقول: اشتريت ثلاثة صناديق من الكتب. لكن النحوي لم يعجبه هذا الحل وقال إن اللغة العربية هي القصد والإيجاز، وكان جواب الوردي أن إدخال حرف في الجملة (من) أفضل من المشقة التي نحتاجها لتعلّم النحو.

ويرى الوردي أن بلاء النحو العربي جاء من اعتماده الكثير على شواهد من شعر الجاهلية وعلى المنطق الإغريقي، وتسبّب هذا في ظهور قواعد معقّدة لا تمت للغة التي يتفاهم بها الناس بصلة، "فالمنطق قياس عقلي، بينما الشعر اندفاع عاطفي.. وهذا هو الذي جعل النحو العربي كثير الالتياث والتهافت، فهو نحو يصلح للتحذلق والمباهاة أكثر مما يصلح لتنظيم الأفكار".

والأمر الآخر أن الشعر مقيّد بالوزن والقافية، ويجوز للشاعر التلاعب بالكلمات والجمل للضرورات الشعرية، بالإضافة إلى اختلاف لهجات الشعراء الذين استشهد أئمة النحو بشعرهم في وضع النحو، وكذلك الأخطاء النحوية التي ظهرت في ذلك الشعر بعد تطبيق القواعد النحوية عليها، "وبهذا تراكمت القواعد بين أيديهم. فتركوها لنا تراثاً ثقيلاً لا نزال ننوء بعبئه". وأدى اعتمادهم على الشعر إلى ظهور آيات قرآنية تخالف قواعدهم النحوية، مثل الآية "إن هذان لساحران"، ويعلّق الوردي قائلاً: "المفروض في قواعدهم أن تكون مطابقة للقرآن، لا أن يكون القرآن مطابقاً لقواعدهم".

ويقول الوردي إن الإعراب كان موجوداً في معظم اللغات القديمة، لكن اللغة العربية "تختلف عن سائر اللغات بكونها ظلّت متمسكة بالإعراب متعصّبة له إلى النهاية، بينما أخذت اللغات الأخرى تفقد إعرابها تدريجياً حتى أصبح كثيراً منها الآن خالياً من الإعراب تقريباً". واتهم الوردي بالشعوبية حين دعا إلى اختزال قواعد النحو وتيسيرها، فهو في نظر خصومه يريد إضعاف مصدر من مصادر الطاقة القومية ألا وهي اللغة العربية، فكان جوابه أن جماعة ليست بالقليلة من النحاة واللغويين كانوا من الشعوبيين أصلاً.

ورغم أن اللغة العربية هي إحدى اللغات الست الرسمية في الهيئة الأممية، وضمن اللغات الإحدى عشرة الأكثر انتشاراً في العالم، والثالثة من حيث اعتمادها لغة رسمية في دول العالم، والسادسة من حيث عدد المتكلمين بها، وهي من اللغات الست التي يزداد الناطقين بها من حيث عدد السكّان، لكن يعلم الله مقدار الألم الذي يشعر به المرء حين يدخل مقهى يتضمن مكتبة تتيح لزوّاره قراءة ما يشاؤون، فيجد غالبيتهم، وأكثرهم من العرب، يقرؤون كتباً إنجليزية، بينما الكتب العربية تتثاءب على الأرفف.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01