search
إصدارات
ارتباطات
تأليه الزعماء
13/8/2011


تقول الكاتبة الصينية البريطانية "يونغ تشانغ" إنها كانت تعتقد وهي في الثانية عشرة أن الزعيم الصيني "ماوتسي تونغ" هو الله، وحاولت الانتحار لأنها لم تستطع أن تلمح وجهه خلال زيارة إلى بكين. لكن الكاتبة نفسها بعد أربعين عاماً من تلك الواقعة، وضعت سيرة ذلك الرجل واعتبرته أكبر قاتل جماعي في التاريخ.

ويبدو أن البشر يفقدون وجودهم المستقل بمرور سنوات الحكم المطلق لحكامهم، ويصبح الزعيم قضيتهم المركزية التي تسيطر عليهم بشكل كامل ويصبح في نظرهم هو الله. لذلك لم يكن غريباً أن تسير الدبابات الأميركية بأمان في شوارع بغداد بينما وزير الإعلام في نظام صدام ينفي ما يراه الناس بعيونهم حول العالم مواصلاً تهديداته بذبح "العلوج"، حتى أصبح أضحوكة عالمية وصُنعت دمية على هيئته. فلم يكن الوزير العراقي محمد الصحّاف يكذب، أعني أنه لم يكن واعياً بممارسته الكذب، بل كان يعيش في دوامة من الكذب والأوهام فلا يرى من حوله إلا الأباطيل.

وفي حالة مشابهة لتأليه الزعماء، كان هناك زعيم ديني توهّم الناس لسنوات أنه ولي من الأولياء وقاب قوسين من العصمة، وأشيع أن صورته منعكسة على القمر، فأخذ الناس ينظرون إلى القمر من فوق أسطح منازلهم وهم يكبِّرون، وأشيع أن شعر رأسه المبارك موجود في المصاحف، وكان الناس يفتحون المصاحف فيجدون الشعر فعلاً، وهو شعر رؤوسهم الذي يتساقط بينما هم يقرؤون في المصحف، وفي أي كتاب يقرؤه المرء باستمرار. 


وأغلب الظن أن من تبقوا مع القذافي من أعوانه القلة القليلة من الليبيين الذين يرقصون في شوارع طرابلس الآن وهم يرفعون صوره عالياً ويهتفون باسمه ويصرخون بشكل هستيري، وكذلك أولئك الذين يفعلون مثل ذلك في عواصم عربية أخرى مبتلاة بزعماء على هذه الشاكلة، كل واحد منهم محاصر في قاعة محوطة بالمرايا من كل جانب، كلما اتجه نظره إلى مرآة منها، رأى زعيمه منعكساً منها، لدرجة أنه لا يتخيّل أن تستمر الكرة الأرضية في الدوران إلا بوجود ذلك الزعيم.

فلو لم يكن الأمر كذلك، لما انتشرت في الإنترنت صور أشخاص ينتمون كما يبدو إلى سوريا التي تشهد احتجاجات شعبية عارمة وهم يسجدون لصور أسدهم في خضوع تام كأنهم بين يدي الله عز وجل، ويقال إن أحد شيوخ الدين المعروفين من ذلك البلد، أفتى بجواز ذلك، وزاد فضيلته في تضليله بالقول إن المتظاهرين يريدون إسقاط الإسلام وليس النظام، وسمعت بأذني على الفضائية السورية شخصاً يتصل ويدعي أنه شاعر ويقول شعراً ركيكاً في زعيم بلاده، يمجّده بكلام لا يقال إلا للخالق سبحانه وتعالى ويصفه بالرب ويصف حزبه بالدين، لدرجة أن المذيع ارتبك ولم يعرف ما يقول، إذ قال أمير شعراء النظام السوري: اسألوا آبائي اسألوا جدي اسألوا نسبي، اسألوا الشموخ اسألوا لي الواحد الأحد، اسألوا ما شئتم فأنا البعث ديني وربي بشار الأسد.

هناك في التاريخ، وفي وقتنا الحاضر، زعماء يستحقون الاحترام والتبجيل لأنهم احترموا شعوبهم ولم يبخلوا عليها بشيء، ولكن المفارقة أن التأليه عادة يكون لزعماء هم أقرب إلى المجرمين منهم إلى الأشخاص العاديين، وكلما أوغل الزعيم في الدماء وراكم الجماجم كلما رفعه أتباعه وعلماء بلاطه درجة في سلم العظمة، وهو مثل قولك لرجل أصلع: يا "أبوزلف".

ما الذي دفع تلك الكاتبة الصينية إلى تغيير نظرتها لزعيم الصين الراحل من اعتباره الله إلى مجرد أكبر قاتل جماعي في التاريخ؟ إنها في اعتقادي لحظة البصيرة التي تزول معها الغشاوة، ولا يزال الملايين في دول العالم الثالث على قلوبهم غشاوة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01