search
إصدارات
ارتباطات
لا شفاء بلا آلام
19/8/2011


على رغم الآلام التي تعانيها الشعوب في أثناء معركة التخلّص من الطغاة، فإن هذه الآلام، للأسف، ضرورية ولا بد منها، ليكون الخلاص نهائياً وإلى الأبد، فلو لم تتألم، فإنها لن تتعلم، وستكمن جرثومة الطاغية في جسد البلد، وربما يعود يوماً على هيئة ناصح أمين، أو على الأقل يخرّب خطوات الانتقال ويطيل مدته.

ويبدو أن الطغاة مثل الأمراض، وكلما كان المرض أشدّ فتكاً، وأوسع انتشاراً، وحالة المريض ميئوساً منها، كانت فترة العلاج أطول، والدواء أَمر، والمصروفات أكثر. وكلما كان الطاغية أكثر قمعاً ودموية، وأكثر سحقاً لحقوق الإنسان، وأكثر كذباً وتضليلاً، كان التخلّص منه أصعب وأشدّ مرارة.

لنفترض أن الطاغية سلّم بالأمر منذ اليوم الأول للاحتجاجات، وفتح باب الحوار مع شعبه، وخطب في الناس، وبدلاً من أن يهددهم بالملاحقة بيتاً بيتاً ويصفهم بالجرذان وبالجراثيم، قال إنه مع الجماهير، وإنهم أبناؤه وإخوته، وإنه ينزل على حكم الشعب، وإنه على استعداد للتضحية بكل شيء في سبيل المحافظة على استقرار بلاده وحقن دماء أبناء شعبه، فلم يقتل منهم فرداً واحداً، ولم يمارس البطش الشديد والتنكيل بالنساء والأطفال، ولم يعد ولم يخلف وعده، ولم تكن أقواله تناقض أفعاله، ثم بكى الطاغية واعتذر عن أخطائه وطلب المغفرة من الشعب.

لو فعل الطاغية ذلك كما يتمنى الجميع، فإنه لن تقع القطيعة الكاملة بينه وبين أبناء شعبه، وستبقى كتبه وفتوحاته الفكرية معززة مكرّمة في بيوت أفراد شعبه، وسيعودون إليها كلما واجهتهم المشكلات، وسيترحم الناس على أيامه كلما ساءت أحوالهم، وسيقال عنه إنه الذي صدق الوعد، وستصبح كل مساوئه إيجابيات، وسعيّن مستشاراً عاماً للأمة التي ينتمي إليها، يطوف على بلدانها ويلقي محاضرات في الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي. وسيبقى أبناء شعبه لسنوات يتجادلون في أي الأنظمة السياسية الأصلح لبلدهم، هل هو النظام الذي خلفه لهم الطاغية أم نظام آخر، وسيبقى أعوانه في مناصبهم للاستفادة من "خبراتهم"، وسيتسلل أبناؤه إلى الحكم بطريقة أو بأخرى، وستبقى الترّهات التي كان يرددها الطاغية، والكذب الذي كان يعمي عيون أفراد شعبه عن رؤية الحقيقة، تتردد على ألسنة النظام البديل لنظام الطاغية، كأنّ شيئاً لم يتغير.


لكن الطاغية يتسبّب في علاج شعبه من دون قصد حين يوغل في الدماء في أيامه الأخيرة، ويستعين بالمرتزقة وبالعصابات المسلحة ضد أبناء شعبه، ويدمّر بلاده لكي يبقى هو وأبناؤه وأفراد عائلته في الحكم، ليتخلّص شعبه منه ومن فلسفته ونظرياته للأبد، وبلا رجعة، وكل قطرة دم يريقها الطاغية، هي جرعة دواء للشفاء منه. كما أن أطنان المواد الساخرة من الطاغية، ومن خطبه وأفكاره وتعليقاته الأخيرة، كفيلة بالتخلّص منه ومن كل ما قاله وفعله طيلة مدة حكمه، والشفاء منه نهائياً.  

بالطبع هناك دائماً أشخاص يكتشفون الطاغية على حقيقته منذ أيامه الأولى، ويدفعون ثمن اكتشافهم، إما بالفرار والهجرة وإما بالتعذيب والسجون وإما بالصمت والموت حسرة، ولكن بطبيعة الحال هناك أغلبية صامتة لا تعرف أو لا يهمها أن تعرف، وهذه الأغلبية لا تغسل يدها نهائياً من الطاغية ومن أفكاره لولا ما يفعله في لحظاته الأخيرة. كما أن عودة الصواب والاستيقاظ من الكذب المتواصل لعقود من الزمن، لا يمكن أن يحدث إلا من خلال لطمة قوية يوجهها الطاغية لشعبه تعيد إليهم رشدهم.

المريض بالسرطان يجب أن يتحمّل الآلام والمصروفات إن أراد الشفاء، والشعوب التي تحكمها أنظمة سرطانية عليها تتحمّل إن أرادت الخلاص.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01