search
إصدارات
ارتباطات
إبليس المولود في جهنم
25/8/2011


حياة معمّر القذافي تسير حتى الآن على نهج سيناريوهات أفلام النجم الأوحد، التي تبدأ بمرحلة الاستهلال، ويتعرّف فيها المشاهد على المكان والزمان والشخصيات والعلاقات القائمة بينها. ويبدأ فيلم "إبليس المولود في جهنم" بمشهد لمظاهرة تخرج ضد حكم ملك المملكة الليبية المتحدة محمد إدريس السنوسي، موحّد ليبيا وأول حاكم لها بعد الاستقلال، ويهتف فيها المتظاهرون تحت شرفة قصره: إبليس ولا إدريس، والملك يردد: آمين.. آمين.

في المشهد التالي يظهر ملازم أول شاب يُدعى معمّر القذافي، مولود في قرية اسمها "جهنم" في منطقة سرت، يركب هو ومجموعة من الضباط الموجة الناصرية ويرفعون سلاح مقاومة الاستعمار وإجلاء القواعد العسكرية للدول الكبرى ويحاصرون القصر في غياب صاحبه المريض ويحتلون مبنى الإذاعة ويعلنون بيان الثورة الأول.  

   

وفي كل الأفلام هناك المرحلة الرئيسية التي تسمى مرحلة الحدث وتأخذ الحيز الأكبر من الوقت، وفيها تتفاعل الشخصيات وتدور الأحداث ويبدأ الصراع. لكن لا شخصيات في فيلم "إبليس المولود في جهنم" سوى العقيد، فهو البطل الأوحد والوحيد، إذ أعدم أو نفي أو هرب كل "الضباط الوحدويين الأحرار" الذين قادوا الانقلاب المشؤوم، ومن بقي منهم أخذ يظهر في الفيلم ككومبارس.

فمرة يجلس البطل إلى جانب عبدالناصر، ومرة يدخّن سيجارة، ومرة يهرج، ومرة يمزّق ميثاق الأمم المتحدة، ومرة بزي عسكري، ومرة ملتفاً بالكامل بعباءة، ومرة مرتدياً قطعاً من أقمشة ملونة، ومرة وهو في خيمة بين أبراج نيويورك، ومرة وهو أمام مبنى مدمّر أطلق عليه اسم "بيت الصمود". وكل هذا بخلفية خضراء تثير الملل.

ويفاجئ الجمهور بأن البطل يعلن استقالته من منصبه، ويتساءلون إن كان هناك بطل آخر سيواكب أحداث الفيلم، لكنهم ينفجرون ضاحكين حين يخاطبهم: ومن سيواصل الفيلم لو استقلت؟ الثورة ليست دولة لأستقيل منها، هي فوران مستمر وأنا متفرّغ لقيادتها. وفي بعض المشاهد يظهر البطل وهو يقيم التجارب الوحدية مع الدول العربية، ومن جانب واحد في معظم الحالات، ثم فجأة مع إفريقيا، فيصبح ملك ملوكها، ويضيف إلى "الجمهورية العربية الليبية" ثلاث كلمات ليصبح اسم الدولة أشبه بقصة قصيرة.


ويختلق نظاماً فريداً يحكم فيه الشعب من خلال كيان غامض وهلامي يسمى المؤتمرات الشعبية، بينما هو يقود ولا يحكم، ويطرح مجموعة من الأفكار المضحكة، كحل القضية الفلسطينية من خلال إنشاء دولة "إسراطين"، والنظرية العالمية الثالثة، ويتوّج ذلك كله بكتاب أخضر يؤكد فيه أن المرأة أنثى لأنها تلد. 

ولا تخلو هذه المرحلة من وجود بعض الكومبارس الغريبين، كالحارسات الشخصيات اللاتي يرتدين بزة عسكرية خضراء ويحملن الخناجر. إضافة إلى أبنائه الذين يتسمّون بأسماء غريبة ومعروف عن بعضهم ارتكاب التجاوزات، ما دفع العقيد إلى تأديب أحد أولاده بإعلان الجهاد على سويسرا والدعوة إلى تقسيمها.  

ويعتقد الجمهور أن الفيلم بدأ في مرحلة العُقدة مع النقمة الغربية على العقيد بسبب دعمه للجماعات الإرهابية في شرق وغرب العالم، من الفلبين إلى إيرلندا، وتفجيره الطائرات المدنية، وسعيه إلى امتلاك القوة النووية، ولكن يتضح أن الفيلم لا يزال في بداياته، فالعقيد يغيّر جلده ويدفع تعويضات بالمليارات ويفكك مفاعله النووي ويضع أجزاءه في صناديق ويشحنها إلى الولايات المتحدة، كما يفضح شركاءه، كما يفعل الأطفال الصغار حين يرتكبون الشقاوة.

وتتوالى الأحداث عاصفة بثورة فبراير 2011، ويظهر العقيد في "توك توك" محتمياً بمظلة وهو يقول إنه لم يذهب إلى هونولولو، ويلقي مجموعة من الخطب يعدّد فيها أنواع القوارض، وتتدخّل الدول الكبرى والشقيقة لمنعه من إبادة شعبه كما توعّدهم ابنه الذي يمكن أن يقال إنه البطل الثاني. ويستمر الصراع بالمعارك الحربية، وتمر المشاهد بعد ذلك سريعة من دون تأثير إلا إطالة أمد الاقتتال والدمار.

وبعد تسارع الأحداث تبدأ مرحلة العُقدة، وهي قصيرة نسبياً، يحبس فيها المشاهد أنفاسه وهو يرى الثوار يتقدمون على كل الجبهات ويطهّرون المدن من كتائب الشيطان. ثم تأتي مرحلة الذروة، وهي قصيرة أيضاً، وتبدأ في الأفلام حين تُصبح العُقد مشدودة إلى درجة لا يمكن حلها، فيدخل الثوار قصر القذافي ويبحثون عنه ممراً ممراً، وغرفة غرفة، لكنه يختفي عن الأنظار.

لا أحد حتى الآن يعلم كيف ستكون نهاية الفيلم، وهي أقصر المراحل، لكنها ستنهي حكم أقدم حاكم على وجه الأرض، وأكثر حاكم، من غير الملوك، حكم على مرّ التاريخ.


Share |
|
|
|
أحمد أميري
1/9/2011 4:06 PM
أشكرك أخي أبو سارا وكل عام وأنت بخير.. فعلاً القذافي ملك ملوك المفارقات، لكن ليبيا بالنسبة لي وبالنسبة لأي خليجي لا يقارن بالعراق، الأخ الشقيق المجاور، وكلامي الكثير عن العراق كان سببه هو أن قوانين النشر لم تكن تسمح للكلام عن الدول العربية "المستقرة"، لكن بما أن الثورات العربية أطاحت وستطيح إن شاء الله بخمسة أنظمة، فإن "القسوة" ستتوزّع.
أبو سارا
31/8/2011 11:28 AM
الأخ أحمد أميري، تحية طيبة وأسعد الله أيامك وكل عام وأنت بخير.. وصفت في إحدى مقالاتك أن صدام رجل المفارقات، أعتقد أن ملك ملوك افريقيا وعميد الزعماء هو ملك المفارقات. نرجو أن تنشغل بالكتابة عن ليبيا والقذافي وتخفف من قسوتك على العراق وما فيه، مع يقيني بأن العراق سوف يبقى ساخناً كما كان منذ 1400 سنة أو أكثر من 6000 سنة.. اقترح أنه كلما خفت أزمات العالم العربي(خصوصا أن ربيع الثورات العربية في مراحله الأخيرة) وليس لديك موضوع تكتب عنه، ارجع إلى العراق، فسوف يبقى مادة دسمة ربما لـ 6000 سنة أخرى ليكتب عنها الكتاب ويقرؤها المتابعون.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01