search
إصدارات
ارتباطات
المواطن الذي كان أخضر
30/9/2011


يقول إنه كان مواطناً أخضر يسعى لجعل الحياة على كوكب الأرض أفضل، وكان على ثقة بأنه يستطيع تنقية الهواء والتقليل من التلوث بجهود ذاتية، في مساحة لا تتجاوز خمسة آلاف قدم مربع، وهي المساحة المتبقية في منزله بعد طرح مساحة الفيلا، إذ حوّلها إلى غابة من أشجار النخيل والليمون والبرتقال والتين والجوافة والتوت والمانجا.

يقول المواطن الأخضر إنه ولد في أسرة تعشق الشجر، وكانت العناية بالأشجار واحدة من هواياته في الصغر، وكان أهله يفضّلون الأشجار عليه، يقصد أنهم كانوا يوبّخونه إذا آذى الأشجار بأن سدّد الكرة بالخطأ إلى غصن شجرة فتنكسر، أو قطف ثمرة قبل نضوجها، أو عبث بالورود.

يقول المواطن الأخضر إنه كان يحلم ببيت تلتف حوله الأشجار، فلا يفتح نافذة إلا ويجد اللون الأخضر أمام عينيه. وحين كبر وشرع في بناء بيته، حفر الأرض إلى عمق أكثر من متر بواسطة حفّار أوتوماتيكي، وتخلّص من الرمل الصحراوي واستبدله بطبقات من الطين والتربة الزراعية المخلوطة بالسماد العضوي، ثم زرع ثمانين شجرة وأنشأ شبكة من أنابيب التنقيط الآلي، وأصبح منزله غابة حقيقية بلون أخضر مائل إلى السواد بسبب شدة كثافة الأغصان وتشابكها، وإن منزله أصبح متميزاً في الحي، متوقعاً فوزه بجائزة الشجرة الخضراء لو أقيمت مثل هذه الجائزة لأكثر البيوت عناية واهتماماً بالأشجار.

يقول المواطن الأخضر إنه كان يشعر بالفخر لأنه ساهم في إحياء الأرض، إذ بنت آلاف العصافير والطيور أعشاشها في منزله، وقبيل الشروق، وقبيل الغروب، تنشط جماعياً وتقيم حفلاً للتغريد المتواصل لنحو نصف ساعة، كما أن النحل تستبدل أماكن خلاياها بين الفصل والآخر، لكنها لا ترحل عن منزله، إذ أن كل ما تحتاجها متوفر: الماء والزهر.

يقول المواطن الأخضر إن عشقه للخضرة ازداد لأنه ابن الإمارات، الدولة التي حلم مؤسسها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بأن تتحول إلى بساط أخضر، واستطاع هذا الرجل العظيم أن يحقق حلمه الأخضر في صحراء لا تعترف إلا باللون الأصفر، إذ تشير بعض الإحصائيات أن في الإمارات نحو 152 مليون شجرة، ويكفي أن ترى القار الأسود يقف عند حدوده في بعض الشوارع احتراماً للشجرة، حتى أصبح الاهتمام بالبيئة عملاً مؤسساتياً، ودخل في صلب الاستراتيجية الحكومية، وأنشئت من أجله الهيئات وخصصت الجوائز وسُنّت التشريعات وظهرت الأبنية الخضراء.

يقول المواطن الأخضر الذي يقيم في إمارة كانت تقدم المياه لمساكن المواطنين مجاناً، بأنه كان يقول دائماً: منه الجهد، ومنهم الماء، لكن حدث أمر غير متوقع جعله يعيد حساباته، إذ تقرر فرض رسوم على استهلاك المياه إذا تجاوزت كمية معينة، ولأن منزله غابة، فإنه يتخطى تلك الكمية دائماً، ويكون مطالباً شهرياً بتسديد مبالغ مالية تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف درهم.

يقول المواطن الذي يرفض الآن أن يوصف بالأخضر، إنه أمام ثلاثة خيارات، إما أن يقطع الماء عن الأشجار ويتركها تموت أمامه، خصوصاً أن حفر الآبار في المنازل ممنوع، وإما أن يقتلع الأشجار كلها ويدفن حلمه بالإنترلوك، وإما أن يضيّق على عياله لأجل خاطر الأشجار، إذ الألفان والثلاثة آلاف درهم تؤثر في ميزانيته، ولكن البشر أولى من الشجر.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
17/10/2011 8:11 PM
عزيزي أبو سارا: لا ينكر اهتمام حكومة الإمارات بالوطن والمواطن إلا جحود، لكن الإنسان بطبيعته يطمح إلى الأفضل وإلا ما تطورت الدنيا، والذي حزّ في نفوس الكثير من المواطنين أنهم اعتادوا الحصول على المياه مجاناً، وكيّفوا أمور حياتهم وحدائقهم على ذلك الأساس، وأرجو أن يستفيد المواطن من القرار الجديد ويواصل مشواره الأخضر.
ابو سارا
6/10/2011 9:48 PM
السيد أحمد أميري، تحية طيبة،،، أكثر شيء شد انتباهي يوم وصلت سنة 96 إلى الإمارات هي الخضرة، لدرجة إنني كنت على يقين بأن خور دبي هو نهر عذب وإلا من أين لهم كل هذا الماء العذب ليرووا فيه كل هذه الخضرة، وأنا القادم من بلد فيه من الماء العذب ما يكفي لجعل أرضه كلها نادي غولف..اليوم رأيت عنوان عريض في الصحف أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أدامه الله أمر بزيادة كمية المياه المجانية من 10 ألف غالون إلى 20 ألف، وتذكرت مقالك وقلت إن رسالة أحمد أميري وصلت.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01