search
إصدارات
ارتباطات
دافع الذهاب إلى صناديق الاقتراع
30/9/2011
ليست المفاجأة في نسبة المشاركة الضعيفة في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، (28 بالمئة)، وإنما المفاجأة برأيي في أولئك الذين فوجئوا بتلك النسبة الطبيعية، وكانت توقعاتهم مبالغاً فيهاوليست منطقية.

وعدّد المراقبون أسباب ضعف المشاركة، كقلة الوعي بالعملية الديمقراطية، وحداثة التجربة، وارتفاع نسبة الشباب والنساء في الهيئات الانتخابية، وعدم إعطاء حق التصويت لجميع المواطنين، وقلة صلاحيات المجلس الوطني، وغيرها من أسباب، لكن السبب الأهم برأيي هو السؤال الذي ربما خطر ببال الكثيرين صباح يوم الانتخابات: ما هو الدافع للذهاب؟

ففي نهاية اليوم، وقبل أن يأوي الإنسان إلى فراشه، فإنه يريد أن يطمئن إلى أنه يسكن في بيت مملوك له، لا يفكّر في كيفية تدبير أقساط الإيجار، ولا يخشى تقلّب مزاج المالك أو ارتفاع معدل الطمع في صدره. ويريد أن يطمئن إلى أنه تزوّج بمن أحب أو اختار، فلم يباعد بينهما ضيق عيش أو أزمة سكن. ويريد أن يطمئن إلى أنه آمن في بيته، لا أحد يجرؤ على انتهاكه أو اغتصابه منه. ويريد أن يطمئن إلى أن عياله سيمضون في الصباح إلى المدرسة وسيعودون منها، وأن المستقبل أمامهم مشرق، فإن لم يكن مشرقاً فهو على الأقل ليس مظلماً.

ويريد الإنسان في نهاية اليوم أن يطمئن إلى أن الطبابة متوافرة لو مرض، والرعاية متوافرة حين يشيخ. ويريد أن يطمئن إلى أنه لن يفقد وظيفته فجأة ولن يسرّح من عمله بشكل متعسّف، وأن الراتب التقاعدي يؤمِّن له عيش الكفاف على الأقل. ويريد أن يطمئن إلى أن كرامته مصانة، وحريته الشخصية محترمة، وأنه يمارس حياته الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل طبيعي وحر، وأن يكون مطمئناً إلى أن أي تجاوز لو حصل بحقه، فإن السبل القانونية أمامه مفتوحة لاسترداد حقه.

وبالطبع، هناك أشخاص لديهم سقف طموحات أعلى من سقف العيش المريح، فهم يعتقدون بأنهم جديرون ومؤهلون للدخول في عملية صنع القرارات ووضع الاستراتيجيات العامة، والعيش بالنسبة لهم كفاح على جميع المستويات، والديمقراطية في نظرهم غاية بحد ذاتها، لكن هؤلاء الأشخاص قلة في كل المجتمعات، وهذا وضع طبيعي.

بينما الإنسان العادي في شرق الأرض وغربها، الديمقراطية بالنسبة له وسيلة أو زرعاً يأمل في نهاية الموسم أن يحصد منه ثمرة الطمأنينة وراحة البال ورفاهية العيش، لذلك يُقال إنه نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات التي تُجرى في بلدانهم تزيد أو تنقص حسب توافر احتياجاتهم، والإنسان العادي الذي ينعم بعيش رغيد، ومهما كان وطنياً ومؤمناً بأداء واجب التصويت، لا يمكن مساواة دافعه للذهاب إلى صناديق الاقتراع بمن يحلم بذلك العيش ويعتقد أن الصناديق ستحقق حلمه.

وقد لا تكون هذه المعادلة صحيحة مئة بالمئة، لكن نصيبها من الصحة لا يُستهان به، وقد تكون هناك عوامل وأسباب أخرى تعطي مثل تلك المعادلة، لكن رغد العيش أو شظفه عامل مؤثر، قليلاً أو كثيراً. 

ومن المفيد الرجوع إلى إحصائيات المشاركة في الانتخابات البرلمانية لنحو 169 دولة حول العالم خلال الفترة من سنة 1945 إلى 2001، والمنشورة في الموقع الإلكتروني للمعهد الدولي للديمقراطية ودعم الانتخابات، إذ تشير الإحصائيات إلى أن جمهورية سورينام حققت أعلى نسبة من المشاركة بنسبة 94 بالمئة، وربع سكّان هذه الجمهورية يعيشون على أقل من دولارين في اليوم.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01