search
إصدارات
ارتباطات
البستنة في حدائق الطغاة
8/10/2011
لم تتسلّق أغصان الكذب وتلتف حول قيم مثل الولاء والسيادة والكرامة وغيرها من تلقاء نفسها، وإنما بفعل كتّاب ومثقفين تخلّوا للأسف عن أدوارهم التنويرية واشتغلوا في أعمال البستنة في حدائق الطغاة، إذ يعلم هؤلاء البستانيون أن القرب من الطاغية لا يكون إلا بمقدار الراحة التي يشعر بها كلما أطلّ من شرفة قصره ورآهم منهمكين في تغطية الحقيقة.

فالولاء للوطن اختزل في الولاء لشخص الحاكم، وبالأمس خرج أحد الذين يسمّون "محللين سياسيين"، وهو مجرد بستاني تافه، فقال على الهواء مباشرة أمام الملايين من الناس إن الرئيس فلان هو جوهر النظام، والنظام هو جوهر الوطن.

والمصيبة أن الفرد مطالب بالاحتفاظ بولائه الكامل لشخص الحاكم مهما أساء لوطنه ونهب خيراته وجوّع مواطنيه. ولو توقف الحاكم عند هذا الحد لربما قيل له: شكر الله سعيك، لكنه لا يتورّع حتى عن سفك دماء مواطنيه والاعتداء على أعراضهم، ويبقى في كل الأحوال: هو الوطن والوطن هو. 

والسيادة الوطنية أصبحت الدفع الجوهري الوحيد الذي يبديه النظام في وجه العالم حين يُتهم بممارسة القمع مع أفراد شعبه. وقد تعرّض مفهوم السيادة بالذات لتشويش كبير، لدرجة أن بعض المعارضين للأنظمة القمعية لا يحسمون مواقفهم حين يخيّرون بين احترام السيادة الوطنية وبين احترام حقوق الإنسان، خصوصاً حقه في البقاء على قيد الحياة.

أما الكرامة، فهي رداء مفصّل لرموز النظام لا يمكن أن يرتديه غيرهم، فمن يقول كلمة واحدة لا تعجب النظام، يعد مرتكباً جريمة الإساءة إلى كرامة الحاكم، وإضعاف الشعور القومي، بينما الفرد العادي يمشي في الشارع عارياً من الكرامة، وقد يضطر إلى بيع بناته في السوق تحت ضغط الحاجة، التي يتحمّل أصحاب الكرامة أنفسهم مسؤولية عدم تلبيتها.

ولا يمكن أن تذكر مفردة المقاومة من دون أن يخطر ببال السامع العلم الإسرائيلي، والسفارة الإسرائيلية، وربما يتخيّل وجوه قادة دولة الاحتلال منذ إنشائها إلى يومنا هذا، فلا شيء قابل للمقاومة سوى هذه الدولة المحتلة، وأحياناً توسّع الدائرة لتشمل الغرب.

ورغم أن مقاومة الاحتلال حق وواجب، لكن المشكلة في اختزالها في مقاومة الخارج، إذ لا تسمح تلك الأنظمة أن يخطر ببال الشعب أن المقاومة قد تعني أيضاً مقاومة النظام الفاسد والزمرة المستأثرة بالخيرات، فمتى وقعت تلك الأنظمة في دائرة من يحق مقاومتهم، فإنها إلى زوال.  

ويبدو أن مفردات "الصمود" و"الممانعة" و"التحدي" تلطخت هي الأخرى بحبر الكذب نفسه، فالفرد صامد كالقلعة أمام العدو الخارجي، ولا يهم إن كان الفرد نفسه يُوطئ بنعال الرشوة التي تضمن لقمة ساخنة لعياله آخر النهار. والممانعة تعني الوقوف في وجه المشاريع الاستعمارية الكبرى، في حين أنه لا يستطيع أن يمانع المشاريع الإجرامية الصغرى، كاستيلاء أحد المتنفّذين "الوطنيين" على أرضه. والتحدي لا يكون إلا للغرب، فتحدي أي جهة أو جماعة مرتبطة بالنظام، يعني ببساطة مقاومة تنفيذ اللوائح والأوامر.

ولعلّ مفهوم الحرية من أكثر المفاهيم التي تعرضت للتحوير وإلى تشويه السمعة، فقد أصبحت المرادف "المحترم" للإباحية والشذوذ الجنسي. وفي أحيان أخرى تعني الحرية حرق أعلام الدولة المعادية، وحرية الاعتداء على السفارات.  

لا أمل لهذه المفاهيم بأن ترد إليها اعتبارها إلا من خلال الربيع العربي الذي يُنتظر منه أن يحرث أرض الوعي من جديد، ويزرع فيها بذور تلك المفاهيم، لتستفيد من ثمارها الحقيقية الأجيال القادمة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01