search
إصدارات
ارتباطات
لن يأتوا ليذهبوا
17/10/2011
صناديق الديمقراطية التي تصنع الآن في دول الربيع العربي قد تثبت صحة الزعم القائل بأن جماعات الإسلام السياسي ستحقق الفوز في أي انتخابات حقيقية تُجرى في أي مكان، حتى قيل إنهم سيفوزون لو رشحوا أنفسهم في سويسرا.

ويتخوّف بعضنا من وصول الإسلاميين إلى السلطة، لكن من المهم أن نستمع إلى الرأي الذي يدافع عن حقهم في ذلك، لربما نشعر بشيء من الطمأنينة.

فأصحاب هذا الرأي يقولون إن تعرض هؤلاء للاضطهاد طويلاً، وبدرجة تفوق ما تعرض له بقية المعارضين، وشراستهم في مقارعة الديكتاتوريات، يجعلهم جديرين بالفوز بالانتخابات كجائزة لنضالهم، مستبعدين تكرر نتائج 99 بالمئة، إذ لا يتصوّر أن تقبل الشعوب بطغيان آخر بعد اليوم، وأنه لن يكون بمقدورهم إقصاء شركائهم، وأن اللعبة السياسية سترغمهم على الدخول في تسويات وتقديم تنازلات، وأن من حق الشعوب تجربتهم والانقلاب عليهم إذا فشلوا، وأن استبدادهم، لو حصل، لن يخيف مقارنة باستبداد مبارك وبن علي والقذافي وصالح والأسد، وحين سُئل أحد المصريين عن ضمان ألا تتكرر تجربة الديكتاتورية، أشار بثقة إلى "ميدان التحرير" وقال: الميدان هو الضمان.  

لكن برغم ذلك، فإن المرء لا يستطيع أن يغمض عينيه بطمأنينة وهو يستمع إلى أصحاب هذا الرأي. فمع التسليم بحق الإسلاميين في الحصول على "الجائزة"، وبحق الشعوب في تجربتهم، إلا أن الأمر الذي لا يمكن بلعه هو قبول الزعم بأنه لن يكون بمقدورهم إقصاء شركائهم واحتكار السلطة، وأنهم سيُرغمون على التسوية والتنازل.

فالأمر الذي لم ينتبه إليه أصحاب هذا الرأي هو أن الإسلاميين الذين قبلوا فجأة الزواج بالديمقراطية، لن يدوم زواجهم منها إلا ريثما يصلوا إلى السلطة، ثم سيلقون بالعروس من النافذة، وفوق هذا، فإنهم يملكون منشاراً ذا أسنان من نصوص مقدّسة تجعلهم يقطعون سلالم الديمقراطية التي ستوصلهم إلى السلطة، حتى قال قائلهم في بلد يحكمونه منذ ثلاثة عقود: نحن لم نأتِ لنذهب.

كما يؤمنون بأنهم موعودون بالاستخلاف في الأرض، ومتى ما تحقق هذا الوعد، فمن الكفر التنازل عنه، خصوصاً أنهم لا يعتبرون خصومهم مجرد مخالفين، وإنما للأسف "أنجاس".

ألم يصفوا أتباع "حماس" بذوي الأيدي المتوضئة مقابل أيدي أتباع "فتح"؟ ألم يفرح زعيم "حزب الله" بـ"المال الحلال" مقابل المال الذي كان يصل إلى حكومة "الحريري"؟ ألا يُحكم، في بلد الملالي، على المُلا الذي يتورّط في جريمة جنائية بتجريده من عمامته بدلاً من زجّه في السجن، أي تكون عقوبته هو أن يصبح مثل سائر الناس، بلا عمامة.   

أما تطبيق الشريعة، فهي مسألة غير قابلة للمساومة، ولعلّ ما حصل في مليونية الإسلاميين في مصر يوضّح طريقة تفكيرهم، إذ رفعوا لافتة كبيرة يتساءلون فيها ببراءة الثعلب: "ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟"، رغم أن خصومهم ليسوا بالضرورة ضد تطبيق الشريعة، لكنهم ضد استغلالها، كما حصل منذ أن صارت الخلافة مُلكاً عضوضاً.

وقبل أن يرفع المرء قبضة يده في الهواء وهو يتخيّل قدرة الشعوب على الانقلاب عليهم وعلى غيرهم، عليه أن يتذكّر أن الانقلاب على ديكتاتور يدعي أنه "علماني" أسهل بمراحل من الانقلاب على من يزعم أنه يُمثل الله، ويؤمن أتباعه بذلك حقاً، فكم كان سهلاً على المصري أن يضع شارب هتلر على صورة مبارك، لكن هل يمكنه فعل ذلك مع صورة رجل يزيّن وجهه باللحية وجبهته بندبة السجود؟ وكم كان الليبي يشعر بالراحة وهو يقذف بالكتاب الأخضر في النار، فهل سيجرؤ على إلقاء كتاب يحمل عنواناً مثل "منهاج الحكم العادل" ألّفه طاغية ديني؟

ولا يمكن مساواة مستبد ديني بمستبد غير ديني، فالأخير يأكل دنيا الناس ويقرّبهم وهو لا يدري من الله، بينما الأول يأكل عليهم دنياهم وآخرتهم، ويبعّدهم عن دينهم، لأنهم ببساطة، كلما التزموا به كان ذلك في مصلحة من يمثّل هذا الدين، الذي هو الطاغية نفسه.

ورغم أن تلك الأنظمة البائدة هي التي تتحمل ما يحصل الآن، فإن التسليم بحق جماعات الإسلام السياسي في الوصول إلى السلطة لا يعني الاسترخاء على شاطئ الطمأنينة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01