search
إصدارات
ارتباطات
سَكرة الحرية و.. فكرتها
21/10/2011
كان عبدالناصر العويني يسقي بصرخاته كؤوس أحرار العالم، ورأى الجميع مشهد خروجه إلى الشارع بعد خمس دقائق من إذاعة خبر هروب بن علي وترديده بأعلى صوته: "بن علي هرب.. تحيا تونس العظيمة.. المجد للشهداء".

كان العويني في حالة سُكر بشراب الحرية، يرتدي ملابس رياضية ويصرخ في شارع خالٍ من المارة، وكان الملايين مثله، سُكارى وما هم بسُكارى، وأذكر الغضب الذي شعرتُ به بعد لحظات من إعلان تنحي مبارك، إذ اتصلت قناة "العربية" بالإعلامي عماد الدين أديب تسأله عن رأيه في انتصار الثورة، فأخذ يطرح ببرود كل ما خطر بباله من أسئلة صعبة ستواجه المصريين، لدرجة أن المذيع (مذيع قناة لم تكن فرحة بثورة المصريين) رجاه أن يتركهم يحتفلون بانتصارهم.

ولم يكن من المقبول الحديث بالفكر في لحظات السُكر، لكن بعد مرور أكثر من تسعة أشهر على هروب بن علي، وثمانية أشهر على تنحي مبارك، يُفترض أن سَكرة الحرية ذهبت، فهل أتت فكرتها؟  

الفكرة إلى الآن غامضة، وحسب هيلاري كلينتون فـ"إن الربيع العربي وصل إلى منطقة صعبة غير محددة المعالم"، وهذا الغموض يثير القلق، إذ يبدو أن كفة الإسلاميين تأخذ في الرجحان، لكن بعضهم يقول إنه حتى لو انجلى غبار الغموض عن وجود الإسلاميين في القصور الرئاسية، فإنه لا مبرر للقلق ما دامت الشعوب ستعمل على توفير حاضنة تنمو فيها الديمقراطية الوليدة من رحم ثوراتهم، موضّحين أن توفير الحاضنة سيحتاج إلى بعض الوقت، وإلى ذاكرة جماعية تحفظ الوعود وتعاقب على عدم الوفاء بها، وإلى التدريب على الديمقراطية عبر بيوت تشجع الأطفال على حرية الاختيار، ومدارس تعلّم فن طرح الأسئلة، ودور عبادة لا تُستعمل لإشاعة الكراهية ضد الآخر، وأن مسؤولية التدريب على الديمقراطية لا علاقة لها بقصور الرئاسة أو بما يجري تحت قبّة البرلمان، وإنما هي شأن فردي، وتنصّل الفرد عن حمل تلك المسؤولية لا يضمن ألا يقع ضحية الطغيان من جديد.  

لكن السؤال هو: كيف ستعمل شعوب لم تعرف من الديمقراطية إلا اسمها على توفير حاضنة لها؟ ومن سيتولى تسديد أجور الحاضنة؟ ومن سيمنع إيقاع الأذى بها والحيلولة دون طردها أو خطف الديمقراطية منها وتغيير اسم هذه المولودة وتربيتها وفق قيم أخرى لا تتفق مع فطرة الديمقراطية؟ 
 
وبكلام أوضح: في حال وصل الإسلاميون إلى الحكم، من سيتولى صياغة ثقافة تدرّب المواطنين على الديمقراطية؟ هل الإسلاميون سيفعلون ذلك وهم الذين سيتحكمون في أدوات الثقافة، وفي المناهج، وفي الكتابة والتأليف، وفي حرية تداول الكتب، وفي الفن والموسيقى وبقية الفنون؟ هل سيقبلون اجتهادات البشر في النصوص المقدسة التي سيرفعونها في وجوه معارضيهم؟ هل هم يفتقدون إلى الذكاء ليحتضنوا الوليد الديمقراطي الذي يدركون تماماً أنه حين يكبر قد يزيلهم من الحكم؟

وهل رأيت إسلامياً، من النوع الأصولي، يؤمن أصلاً بمسألة تشجيع الأطفال على تحديد خياراتهم؟ هل يؤمنون بثقافة طرح الأسئلة؟ هل يؤمنون بحق نصف المجتمع بالمشاركة في الشأن العام؟ هل كانوا في يوم من أيام التاريخ يوزّعون الورود في المساجد ويدعون الناس بكلمة المحبة؟ وهل الفرد الديمقراطي يستطيع أن يتحدى جيش عرمرم من الملتحين الذين لا يؤمنون إلا بالسمع والطاعة، خصوصاً أن لا أحد يضحي بنفسه من أجل ديمقراطيته أو ليبراليته، بينما الملايين مستعدون للتضحية لأجل دينهم؟  
 
أغلب الظن أن العويني، وهو محامٍ يساري، يرتدي بذلته الآن ويضع يده على قلبه وهو يرى إسلاميي بلاده يفتون بهدر دم، ويحرقون بيت، مالك قناة تلفزيونية عرضت ما لا يروق لهم.
 

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01