search
إصدارات
ارتباطات
الياسمين والدبّور
27/10/2011
يبدو أن مَن أعطوا أصواتهم لحزب "النهضة" في انتخابات المجلس التأسيسي في تونس إنما أعطوها لرئيس الوزراء التركيأردوغان، فحزب "النهضة" روّج لنفسه بأنه النموذج التونسي لحزب "العدالة والتنمية"، وأعطى الانطباع للناخبين بأنه سيتبنى نظاماً يشبه النظام التركي.

والحديث عن الحكم في تونس سابق لأوانه، فأمام المجلس التأسيسي المنتخب للتوّ فترة زمنية غير محددة لصياغة دستور جديد يضع القانون الأساسي لنظام الحكم، لكن مَن ستكون له اليد العليا في وضع الدستور سيضع بطبيعة الحال بصماته على شكل الجمهورية الثانية في تونس.

ولا أحد يعلم نيّات حزب "النهضة" بعد تصدره نتائج الانتخابات، فالسياسة مثل الزواج، يعد الزوج الآخر بأشياء في أثناء فترة الخطوبة ثم يتناساها بعد ذلك، وبحسب مبعوثة البرلمان الفرنسي إلى تونس لملاحظة الانتخابات الأخيرة، فإن الشكوك بشأن نيّات "النهضة" يعزّزها تباين ما كانت تقوله لوسائل الإعلام وما كانت تنشره على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولعلّ أبرز تلك الشكوك هو تبني "النهضة" نظاماً يشبه النظام التركي، فقد بدّدت نصيحة أردوغان للمصريين رصيد الثقة بجماعات الإسلام السياسي عموماً، وظهر أن ما كان يُشاع عن تطوير رؤية هذه الجماعات لهوية الدولة وبشكل الحكم وبالحريات العامة لم يكن إلا محض مزاعم، فقد رفض رموز هذا التيار، سواء في مصر أو في تونس، نصيحة أردوغان للمصريين بوضع دستور يستند إلى مبادئ ترسي قواعد دولة مدنية حديثة تتيح الحرية الدينية للجميع.

ولأول مرة يخلع الإسلاميون البذلة "الأردوغانية" التي كانوا يرتدونها كلما ألقيت على مسامعهم التجارب الفاشلة للإسلام السياسي في الحكم، إذ فوجئوا بأن بذلة أردوغان لا تناسبهم، فهي تضيق عليه لكنها تتسع لشعبه، فهو كما قال ليس علمانياً وإنما مسلم، لكنه رئيس وزراء دولة علمانية، موضحاً أن العلمانية ليست عملية حسابية لها نتيجة واحدة دائماً، وإنما هي مفهوم اجتماعي يختلف من مكان إلى آخر، وأن العلمانية التركية تعني "وقوف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان، أما الأشخاص فلا يكونون علمانيين، يستطيعون أن يكونوا متدينين أو ضد الدين أو من أديان أخرى"، ورغم كل هذا التوضيح من جانب أردوغان فإن نصيحته رُدت إليه.

أُطلق على ثورة التونسيين اسم الياسمين، وانتشر عبق هذه الوردة البيضاء على أكثر من دولة عربية وانطلق الربيع العربي من هناك، فهل سيواصل الياسمين التونسي نشر عبقه أم ستخرج من تونس روائح التشدّد؟ هل ستحافظ "النهضة" بزعامة راشد الغنوشي على الانفتاح التونسي المعروف وتسير به نحو النموذج التركي، أم ستأخذ تونس إلى دهاليز الأصولية الدينية؟

هل ستتولى "النهضة" النهوض بالتونسيين اقتصادياً واجتماعياً أم ستسعى للانتقام من "علمانية" النظام السابق والعودة إلى الوراء فيما يخص حقوق المرأة وصناعة السياحة؟ هل سيفيق التونسيون من نومهم الهادئ والمريح بفضل رائحة ياسمين ثورتهم ليجدوا أنفسهم محاصرين بدبابير الاستبداد الديني؟

هل سيتحول حلمهم بدولة الديمقراطية والمساواة والحرية وحقوق الإنسان إلى كابوس الجمهورية الإسلامية ودولة أهل الحل والعقد والوصاية، وربما ولاية الفقيه في نسختها السُنية، والتي تطوّرت في البلاد التي ظهرت فيها إلى ما يشبه التفويض الإلهي؟

هل سيشبه نظامهم النظام التركي كما يشبه العلم التونسي العلم التركي؟ أم سيشبه النظام القائم في إيران كما يشبه عودة الغنوشي من منفاه الاختياري في لندن عودة الخميني من منفاه في باريس؟ أم سيكون لتونس نظامها الخاص بها والذي لا يشبه إلا تونس الخضراء؟

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01