search
إصدارات
ارتباطات
المشي إلى الحفرة
3/11/2011


لو لم يتسرّع ثوار ليبيا في التخلّص من معمّر القذافي لربما وجدناه يواصل نومه في قفص المحكمة، فقد كان القذافي نائماً طيلة مدة حكمه، وإلا ما أخذ ينظر بذهول إلى كفه المخضوبة بالدم بعد أن عثر عليه الثوار مختبئاً في "ماسورة"، ويعلم الله إن كانت تلك القطرات التي نزفها أيقظته من نومه وجعلته يتذكر آلاف الجالونات من دماء الأبرياء التي أراقها وهو يتفلسف.

أما صدام، فقد استمر في نومه إلى آخر لحظة، فلو لم يكن نائماً في عسل السُلطة ومنفصلاً عن الواقع تماماً لما فتح فمه للطبيب الأميركي بعد إلقاء القبض عليه في حفرة ليدله على أحد أسنانه المصابة بالتسوّس، كأن كل الآلام التي تسبّب بها لمئات الآلاف من البشر لا تساوي ألماً صغيراً في ضرسه.

وكان عجيباً أثناء محاكمته مقدار الوثائق والمستندات التي كانت بيد هيئة الادعاء، وكانت تكفي لإدانة صدام وأعوانه مليون سنة سجن وألف حكم إعدام، إذ تضمّنت الأدلة الكثير من الوثائق الرسمية الموقّعة من صدام أو أركان نظامه وفيها أوامر مباشرة بارتكاب جرائم وفظاعات بحق الأبرياء أو المعارضين.

والسؤال هو: لمِ لَم يتلف النظام العراقي السابق هذه الأوراق قبل سقوطه المدوي الذي يفترض أنه كان يتوقعه ولو بنسبة 1 بالمئة، بدليل تخطيطه لحرب المدن والعصابات قبل بدء الحرب بشهور؟ فأي مجرم، حتى النشّال الخائب، يبادر إلى التخلّص من المحفظة فور إحساسه بخطر اقتراب رجل أمن منه.


صدام لم يفعل حتى ما يفعله النشّال لأنه كان نائماً منذ أن صعد سلّم السلطة إلى أن عُلّق على حبل المشنقة، ولم يستيقظ إلا بعد أن فارق الحياة، وقديماً قيل: "الناس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا"، ويبدو أن نوم الإنسان يشتد كلما غطى نفسه بملاءات السُلطة.  

ولم يكن صدام يعتبر تلك الوثائق أدلة، بل هي مجرد أوراق تحمل أوامر عليا ورسمية، وقوانين وقرارات أصدرها وهو نائم، وحين رآها معروضة أمامه في المحكمة، أخذ يجادل القضاة بأنها قرارات رئاسية صدرت في ظلّ القانون الذي وضعه هو لنفسه. وفعل مثله القذافي حين أخذ يقرأ فقرات من قانون العقوبات متوعداً الجميع بالإعدام، فلم يكن هو أو صدام يعرفان شيئاً لأنهما كانا نائمين.

ومن سوء حظ صدام والقذافي أنهما ذهبا عبرة لغيرهما من النائمين، ويبدو أن مَن بقي مِن طغاة العرب حريصون كل الحرص ليكونوا هم أيضاً عبرة، ويرفضون بعناد غريب أن ينتبهوا من النوم قبل فوات الأوان رغم آلاف أجراس التنبيه التي تدق فوق رؤوسهم كل يوم، ويبدو أن الله لم يوفقهم ليكونوا من السعداء الذين يعتبرون بغيرهم.

وفوق نوم الطغاة المثير للتعجب، فإنهم مصابون باضطراب المشي أثناء النوم، وكلما مشوا اقتربوا من حفرة أو "ماسورة" النهاية، والتي بعدها يكون الانتباه الأبدي.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01