search
إصدارات
ارتباطات
معارضة حكم الإسلاميين
19/12/2011
كانت قنوات المعارضة الإيرانية في الخارج تتابع باهتمام أخبار "الثورة الخضراء" التي اندلعت في صيف 2009 بعد إعلان فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية، وفي الوقت نفسه، كانت تحاكم الإسلام من خلال النظام، وكان واضحاً أن القائمين على هذه القنوات وضيوفهم يعرفون ما يدور في إيران من الداخل لكنهم يجهلون، أو يتجاهلون، جوهر رسالة الإسلام.

ومن المعروف أن تيارات مختلفة ومتباينة شاركت في الإطاحة بالشاه، لكن التيّار الإسلامي هو الذي أتى إلى السُلطة التي بدأت مقيّدة قليلاً ثم انتهت اليوم إلى سُلطة مطلقة، ولا أحد يعرف الآن كيف ستكون الأوضاع في الدول التي تفرش السجادة الحمراء للإسلاميين، وماذا لو فشلوا بعد سنوات من التجربة، وبدلاً من أن يسلموا الحكم، انقلبوا على الديمقراطية التي لم يثبت أنهم يؤمنون بها أصلاً؟

فهل يمكن معارضة حكم ديني من دون المسّ، عمداً أو جهلاً، بالدين نفسه الذي يُحكم باسمه؟ وهل بإمكان المعارضين الإبحار في أعماق ذلك الدين لاكتشاف لآلئه وفضح ممارسات من يدّعون الحكم بهديه وتعاليمه؟ هل يمكنهم فهم الدين على حقيقته بينما الذي يتصدّى لبيان ذلك الدين هم أنفسهم الأشخاص الحاكمون باسمه؟

هل يمكن بيان تهافت الفكر الشيوعي مثلاً من دون التعرّض لماركس وإبراز هفوات فكره العملاق؟ كم منّا يميّزون بين ماركس النظرية وماركس التطبيق، أم إنه لا فرق كبير بينه وبين لينين وستالين وذلك الذي ضرب طاولة الأمم المتحدة بحذائه؟ لو كان قد خرج ماركس من قبره وأعلن براءته مما يحدث باسمه، فهل كان سيصدّقه أحد؟ على الأقل كان سيسمع أن أفكاره خاطئة لأنها لم تطبّق ولا مرة واحدة بشكل صحيح؟

يمكن لمن يعارض حكماً مدنياً أن يتجنّب المرور أمام مبنى الحزب الحاكم، ويمكنه أن يعترض على سياسة الحزب ويناقش مبادئه، على الأقل بينه وبين نفسه، ويستطيع أن يستعمل سلاح السخرية، وهو أمضى سلاح، ضد رموز ذلك الحزب وشعاراته واستراتيجياته وكل ما يمتّ له بصلة.

لكن ماذا عن معارضة الحكم الديني؟ ألن يجد المعارض نفسه وهو يبتعد عن الدين بشكل تدريجي؟ فصلاته في المسجد تضفي الشرعية على النظام، وجلوسه واستماعه إلى الخطبة يعني موافقة ضمنية منه على ما يقوله الخطيب المسيّس، وذهابه إلى الحجّ ضمن البعثة الرسمية لبلاده يمكن أن يشعره بالخضوع للنظام، والصدقة التي قد يضعها في صندوق التبرّعات ستبدو في نظره دعماً مالياً للنظام وأجهزته ومؤسساته، وتمسّكه بمظاهر الإسلام يحسبه، ولو لم يحبّ، في زمرة النظام، والالتزام بالحجاب دليل ولاء للنظام، وخلعه إعلان رفض له.

ألم يُسارع ثوّار ليبيا إلى رفع علم ما قبل القذافي؟ ألا يفعل السوريون المعارضون لنظام الأسد ذلك الآن؟ إذ العلم في هذه الحالة إعلان للقطيعة بين الثوّار وبين النظام، فلنا عَلمُنا ولكم عَلمُكم، ورمزية العلم هي نفسها رمزية أداء الصلاة في المساجد، والاستماع إلى الخطب، وارتداء الحجاب، بل حتى إعفاء اللحى وحفّ الشوارب، إذ ليس أمام المعارض إلا أن يتخلّي عن رموز النظام كمقدمة لمعارضته بشكل ملموس.

وفوق هذا، فإن معارضة حكم يقوم على الدين يوصم صاحبه بالنفاق والانحراف والخروج عن الملّة والإفساد في الأرض، وتصل إلى حد اعتباره محارباً لله. فمن سيتحمّل كلفة الوصم بهذه الأوصاف، حتى بين أفراد أسرته، خصوصاً إذا كانت هذه الأوصاف ستلاحقه إلى قبره، هذا إن لم يتألّه النظام ويقرّر مصير المعارضين في الدار الآخرة.

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01